رئيسيسياسي

يأس التونسيين.. تحذيرات من انفجار شامل يكنس الطبقة السياسية

يبرز مراقبون تصاعد حدة يأس التونسيين وسط تحذيرات من انفجار شامل قادم في البلاد يكنس الطبقة السياسية بكافة مكوناتها.

ويشير الأكاديمي التونسي محمد أحمد القابسي، إلى أن الصراع السياسي في تونس يراوح مكانه، وها هو ينتج أزمة أخرى تتفاقم مقوّماتها ومظاهرها من يوم إلى آخر، فالصيف القاسي يمضي.

ويعتبر القابسي أن الخريف قد يحمل معه انفجارا شاملا سيكنس كل الطبقة السياسية، سلطة ومعارضة، من المشهد العام الذي تغيب فيه قدرة رئيس الجمهورية، قيس سعيّد.

وذلك رغم ترسانة القوانين الصادرة عن سعيد على امتداد سنة خلت، على فرض سلطته الكاملة وإعادة الدولة إلى هيبتها وقدرتها على إدارة المرفق العام، علاوة على عدم إقناع معارضيه وشرائح الشعب الكريم بما هو ماض فيه.

أما المعارضة فقد بدت معلولة فاقدة القوة الكاملة على تجميع أطيافها وأدواتها وبرامجها ومشروعها لطرح نفسها بديلا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، في ظل صراع أيديولوجي وهوياتي ينخرها من الداخل.

ويضعف ذلك قدرات المعارضة على قطع الطريق المفتوحة التي يسير فيها الرئيس وحيدا ومنفردا، غير عابئ بالمخاطر التي تنتظره وتنتظر التونسيين، بل هو يبدو مزهوّا ليسير في هذه الطريق السيارة، وقد تكون طريقا مسدودة.

أما أحزاب الموالاة فهي أبعد ما تكون عن إقناع التونسيين بحضورها في المشهد العام، ناهيك عن قدرتها على إسناد سعيّد ومشروعه، أو حتى الاقتراب من الامتدادات الجماهيرية للمعارضة، رغم استعدادها السمج والانتهازي لركوب موجة “الشعب يريد” أو “شعب الرئيس” الهلامي، والذي لم تتوقف عن مغازلته والتلويح برسائلها الإيجابية للرئيس وشعبه.

وما يتضح اليوم، والتونسيون يودعون صيفا كان قاسيا عليهم وعلى معيشتهم، هو قرفهم ويأسهم من بؤس الطبقة السياسية برمتها، سلطة ومعارضة، بعد أن وقفوا أمام فشل عام يراكم عجز هذه الطبقة على تغيير الأوضاع المعقدة والقاسية لمعيشتهم في أبسط أسبابها ووسائلها.

وبعيدا عن سرديات قيس سعيّد وحكاياته التي أصبحت معلومة وممجوجة، وقد فرض دستوره أمرا واقعا، وقد صمتت الأصوات الغاضبة والرافضة مسار 25 يوليو 2021، إجراءات ودستورا، بعد أن عجزت هذه الأصوات عن إسقاطه، فما الذي يحصل اليوم في تونس؟

القصة في آخر مشهد لها وقوف قيس سعيّد وحيدا أمام عدسات الكاميرا، يخطب في الشعب، وهو يختم دستوره مشيدا مرّة أخرى “بالعلو الشاهق” في التاريخ، وكيف أن هذا الشعب العظيم ما فتئ يُبهر العالم من 17 ديسمبر / كانون الاول 2010 إلى 25 يوليو/ تموز 2022، وأن ما حصل على يديه من “حركة تصحيحية” سيدرّس في كتب التاريخ رغم كيد الكائدين الذين حاولوا إفشال هذا المسار، “وإننا الآن سندخل مرحلة السياسات الجديدة”.

وقد حرص قيس سعيّد في مشهدية ختم الدستور على أن يكون وحيدا في الصورة والخطاب.

لن تخرج سرديات سيناريو الأسابيع المقبلة عن سرديات المحطات الماضية، وأبرز عناوينها الاستشارة الإلكترونية واستفتاء دستور “العلوّ الشاهق في التاريخ”، فسيُصدر سعيّد مرسوم قانون الانتخابات كما سيتم إرساء المحكمة الدستورية.

وما هو أكيد أن هذا القانون المنتظر للانتخابات، والذي لن يشرك فيه سعيّد غيره، ولن يحاور حوله طرفا آخر. ليتأكد أن دستور سعيّد أصبح أمرا واقعا، وأن الرئيس أصبح متحكّما في المشهد السياسي برمته، بل لعله هو المشهد في حد ذاته.

ويجمع متابعون للشأن العام على أن سعيّد أضحى المحدّد الوحيد لمستقبل تونس، لا سيما بعد دخول دستوره الجديد حيز التنفيذ، والذي فتح له طريقه السيارة التي سيمضي فيها وحيدا، وسيصدر بمفرده كل القوانين المقبلة.

وأبرزها قانون الانتخابات التشريعية المزمع عقدها في 17 ديسمبر/ كانون الأول المقبل، وسيحمل شعار “العزل والمواجهة” الذي سيكنس به سعيّد كل الأحزاب والشخصيات الوازنة ليخرجها من البرلمان الذي سيكون برلمانه، فاقدا الهوية والرسالة التشريعية ومكونات كل البرلمانات في العالم.

ويريد سعيد فقط برلمانا ضعيفا ليسانده ومشروعه، ولذلك استحدث غرفة ثانية للجهات والأقاليم.

وتبدو المدة المتبقية لتنظيم هذه الانتخابات قصيرة جدا (أربعة أشهر) أمام الأحزاب، لكي تستعد على أفضل وجه لخوض هذا الاستحقاق الانتخابي، والذي سيضعف فيه سعيّد قدرة الأحزاب على دخول البرلمان، معتمدا الاقتراع على القوائم.

وإذا كانت بعض أحزاب الموالاة شرعت في الاستعداد لخوض الانتخابات، على غرار “حركة الشعب”، فإن أحزابا أخرى ما زالت تنتظر صدور القانون الانتخابي الجديد. وفي المقابل، أعلنت أحزاب كبرى، مثل حركة النهضة والتيار الديمقراطي وغيرها، مقاطعة الانتخابات.

وذلك بعد ان قاطعت الاستفتاء على الدستور الجديد الذي ما زال محلّ جدل وانتقادات في الداخل والخارج، لخلوّه من أي رؤية اقتصادية واجتماعية، ناهيك عن تجميع كل السلطات بين يدي الرئيس.

ويمكن الجزم بعد هذا بأن الحياة السياسية في البلاد قد دخلت مرحلة الموت السريري فقد ألغى الدستور الجديد التفاعل الطبيعي بين السلطات الثلاث، كما ألغى الأحزاب وكل الهياكل الوسيطة التي لن تستقيم أي حياة ديمقراطية بغيرها.

ويحدث هذا في ظل تفاقم أزمة القضاء والقضاة وارتفاع مشطّ للتضخّم والعجز الواضح للشرائح الشعبية عن تلبية احتياجاتها اليومية، وتسارع هجرة الكفاءات والهجرة غير النظامية الجاذبة لأعداد مهولة من الشباب.

وفي المقابل، يدخل الجميع في صمت مخيف، وبات الأمر مقتصرا على بعض التدوينات والتصريحات، لترتفع أصوات مكونات المجتمع المدني، داعية المعارضة من أحزاب وتحالفات لتعيد ترتيب شؤون البيت من الداخل، ولتوحد صفوفها في تكتل واحد، دفاعا عن الحريات والحقوق وقيم الجمهورية والمسار الديمقراطي، تجاوزا لأزمة صراع الزعامات التي عصفت بأكبر القوى والعائلات السياسية، خصوصا وهي مقبلة على معركة أخرى، سيحشرها سعيّد فيها بمناسبة القانون الجديد للانتخابات، والذي لن يكون مساعدا لها ولا داعما مسارها.

وتأسيسا على ما سبق، ما هو ثابت وأكيد أن التونسي اليوم لم يعد يهمه دستور سعيّد، ولا قانونه الانتخابي. إنه يبحث اليوم عن أرض أخرى، لا يهمه نظامها السياسي ولا موقعها الجغرافي. يفكّر في الهجرة، الغني يتطلع إلى كندا وأميركا وأستراليا، والفقير ينتظر مركبا بسيطا يحرق بواسطته ليبحر إلى الشاطئ الشمالي، وقد يصل وقد لا يصل.

أما التونسي الذي لم يفكّر في الهجرة، فإنه يتطلع إلى الخبز والزيت وكل المواد الحيوية التي أصبحت مفقودة. لم تعد تهم التونسيين اليوم الانتخابات المقبلة التي ستعطي شرعية للتسلط والديكتاتورية، ولمزيد من الإقصاء وتشتيت شرائح الشعب الكريم الذي يتطلع إلى أمل بسيط في حياة كريمة، بعد يأسهم القاتل من الطبقة السياسية برمتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق