رئيسيسياسي

قرارات قيس سعيد تفضح سعيه للسيطرة على الجهاز القضائي

تفضح القرارات المتتالية لرئيس الجمهورية قيس سعيد سعيه للسيطرة على الجهاز القضائي في ظل معركة السلطة والنفوذ في تونس.

ويبرز مراقبون أن صراع سعيّد مع القضاة التونسيين ومعاركه المتواترة معهم لا تبدو متجهة نحو الحسم لفائدة هذا الطرف أو ذاك.

ففي حين استطاع الرئيس أن يهزم “السلطة التشريعية” هزيمةً ساحقةً من دون مقاومة حقيقية من النواب المنتخبين انتخابا حرّا مباشرا سرّيا وشفافا كما هو منصوص عليه دستوريا.

وممن انتخبهم من الجمهور المقدّر بحوالي ثلاثة ملايين ناخب، وتجريدهم من صفاتهم النيابية وتمثيل الشعب بعد انتخاباتٍ لم يُطعن في مصداقيتها مدنيا وقضائيا، وتقديم بعضهم للمحاكمة على خلفية الاختلاف في وجهات النظر السياسية والقانونية.

وكذلك حلّ البرلمان وتعليق العمل بالدستور بمجرّد مرسومٍ عديم الحجّة والقوّة الدستورية والقانونية، في غضون هذا كله، تأبى المؤسسة القضائية الاستسلام لنظيرتها “السلطة التنفيذية” والاعتراف بالهزيمة، والاصطفاف في الخندق نفسه، والدخول في بيت الطاعة، وتنفيذ ما هو مطلوبٌ منها لنيل رضى الرئيس.

والإفلات من غضبه الذي لا يخلو منه منبر ومناسبة وميعاد، وتفادي قاموسه الاصطلاحي القادر على إنتاج أبشع النعوت وأفظع الأوصاف وأنكى التهم، وتسويقها باسم الشعب والحقيقة والعدل والحقّ والعدالة والحفاظ على الحقوق والمساواة ومكافحة الفساد وتحقيق دولة القانون والمؤسّسات.

متناسيا أن ديوانطولوجيا الرئاسة تقتضي “أبوية رئاسية جامعة”، تتعالى على تقسيم المجتمع وتعلو عن صراعاته ومناكفات فئاته وشرائحه وأحزابه وتنظيماته والخوض في التفاصيل والجزئيات والانحياز إلى هذا الطرف أو الانتصار لغيره.

يعدّ إصدار المحكمة الإدارية، يوم 9 أغسطس/ آب الجاري، مجموعة من قرارات توقيف تنفيذ أمر الإعفاء في حق 49 قاضيا من بين 57 من القضاة المشمولين بالأمر الرئاسي عدد 516 الصادر في 1 يونيو/ حزيران 2022، فصلا جديدا في حلقات النزاع الحادّ بين سعيّد والمجتمع المدني القضائي الممثل للطيف الواسع من الجسم القضائي التونسي (جمعيات القضاة ونقاباتهم).

فهذه المحكمة دحضت قرارات سعيّد، ونزعت عنها شرعيتها، وأسقطت مصداقيتها وهوت بموجبها رمزية الرئاسة والإجماع الذي كانت تلقاه زمن التولية سنة 2019.

وذلك بعد أن ظهر الرئيس يوم 1 يونيو/ حزيران 2022 أمام مجلس وزرائه، الذي يضمّ كل أفراد حكومته، في حالة من الخطابة والحماسة والتأهب والتعاظم، منتقيا من الكلمات ما يجيّش المشاعر ويلهب الأحاسيس.

من دون أن يغفل عن خصومه السياسيين الذين اختار لهم من أدب ابن المقفّع أكثر السرديات والمصطلحات تهكّما وازدراء وسخرية، فبدا كأنه يعلن الحرب على غزاة أجانب، هم على وشك احتلال البلاد، ما يستوجب أقصى درجات اليقظة والتعبئة الشعبيتين قبل انطلاق المبارزة الأولى وإعلان القتال.

جاء في خطاب الرئيس: “لا يمكن أن تطهّر البلاد من الفساد ومن تجاوز القانون إلا بتطهير كامل للقضاء، لقد تمّ النظر في كلّ الملفات من أكثر من مصدر حتّى لا يُظلم أحد وتم التدقيق والتمحيص لمدّة أسابيع طويلة.. الواجب المقدّس يتطلّب اتخاذ هذا القرار (قرار إعفاء 57 قاضيا) حفاظا على السلم الاجتماعي وحفاظا على الدولة مع التقدير الكامل للقضاة الشرفاء وأكثرهم شرفاء”.

وأضاف “سنصدر الأسماء في أمرٍ لوضع حدّ لهذا الأمر، وسنذكر فقط الأسباب التي دعت إلى اتخاذ هذا القرار التاريخي في هذا اليوم، وسأتحدّث عمّا قام به البعض، وما هي الجرائم التي تمّ ارتكابها ولم يتمّ أي ترتيب أو جزاء في المؤسسات التي من المفترض أن تقوم بدورها التاريخي”.

لم تكن تلك الكلمات والتعابير سوى مقدماتٍ لسلسلة من التهم، كالها رئيس الدولة في الاجتماع نفسه، للقضاة الذين تم إعفاؤهم بموجب الأمر الرئاسي عدد 516 الصادر في الجريدة الرسمية التونسية.

فحواها الفساد والرشوة والإثراء غير المشروع والزنا والجلسات الخمرية، وحماية الإرهابيين وتعطيل ملفاتٍ تتعلق بهم وإخلاء سبيلهم والتواطؤ في ملف الجهاز السري (المتعلّق بحركة النهضة) وتعطيل مرفق العدالة وتجاوز الصلاحيات والإخلال في أداء الوظيفة.

لم يقبل الرئيس الأحكام الصادرة عن المحكمة الإدارية لصالح القضاة المعفيين، فقد كان قرار إعفائهم عالي الوثوقية واليقينية والثبوتية وادّعاء الحقيقة والمعرفة الدقيقة بالملفات كما ذكر هو بنفسه.

الأمر الذي لا يرتقي إليه الشكّ والريبة، ولا ينقصه سوى الجلوس بنفسه على كرسي العدالة وإصدار حكمه باتّا لا يقبل النقض والتعقيب.

وهو ما دفعه يوم 18 أغسطس/ آب الجاري، في خطابه في أثناء موكب ختم (وإصدار) دستور الجمهورية الجديدة الذي لم يحضره أحد من أعضاء حكومته وطاقم حكمه ومفسّريه ومؤولي مراسيمه وقراراته وخطبه، وكل القوى (الأحزاب والجمعيات) والأفراد (الأشخاص الطبيعيون) الذين آزروه وناصروه وأيدوه ووقفوا إلى جانبه ودعّموا توجهاته، بالأنفس والأموال (من دون أي دعم مالي من الدولة).

وقاموا بالحملة الاستفتائية لصالح ذلك الدستور، ما دفعه إلى شنّ حملة تشكيكٍ في بعض قرارات المحكمة الإدارية وأدوارها، معتبرا أن تلك المحكمة لا يمكنها النظر في قضايا متعلقة بسلطة تأسيسية كما أقرّت هي بنفسها سنة 2013.

وأن الدستور الذي تم إقراره، وربما المراسيم التي صدرت، ناتجة بدورها عن جهةٍ تأسيسية، على ما في هذا الرأي من غلوّ وشطط في التأويل، فلا أحد من فقهاء القانون وعلمائه في تونس وخارجها أقرّ بأن الرئيس الذي يمثّل السلطة التنفيذية يمكن أن يكون في الآن نفسه سلطة تأسيسية.

رفض الرئيس سعيّد قرارات المحكمة الإدارية ترجمته عمليا وزيرة العدل التي أصدرت يوم 14 أغسطس/ آب الجاري بلاغا جاء فيه: “تعلم وزارة العدل أنه عملا بأحكام المرسوم عدد 35 لسنة 2022 بأن القضاة المشمولين بالإعفاء هم محلّ إجراءات تتبعات جزائية”.

وأردفته ببلاغ ثان يوم الـ19 من الشهر نفسه تضمّن ما يلي: “تعلم وزارة العدل أنه خلافا لما يتم تداوله في بعض وسائل التواصل الاجتماعي من قبل أطراف تسعى لتعطيل مسار المحاسبة وتدعي عدم وجود ملفات، فقد تمت إثارة التتبعات الجزائية ضد القضاة المعفيين، وذلك عملا بأحكام المرسوم عدد 35 لسنة 2022 وقد تعهدت النيابة العمومية المختصة بالملفات (109 ملفات) وأذنت بإحالة عدد هام منهم على الأقطاب القضائية المختصة في الجرائم الإرهابية والفساد المالي”.

وتبيّن من خلال ما رشح في صفحات السوشيال – ميديا من أسماء أصحاب 109 ملفات أن شخصياتٍ قضائيةً تشغل وظائف عليا وأخرى فاعلة في المجتمع المدني القضائي شملهم التتبع القضائي، على غرار رئيس المحكمة الإدارية ورئيس جمعية القضاة التونسيين ورئيستها الشرفية ورئيسة اتحاد القضاة الإداريين.

الأمر يؤكّد توجّه السلطة التنفيذية إلى “تطهير القضاء” ممن تحوم حولهم شبهات فسادٍ لم تثبتها أحكام قضائية باتة بعد، وكذلك من أصحاب المواقف المناهضة للرئيس واختياراته، التي يعبّر عنها من حين إلى آخر نشطاء الجمعيات والنقابات القضائية وقادتها.

يُظهر هذا التوجه الرئاسي الرافض قرارات المحكمة الإدارية والالتزام بتطبيقها رغبة رئيس الجمهورية في الهيمنة على القضاء وتوظيفه سياسيا لتثبيت سلطان حكمه.

فقد بيّنت التجارب السابقة الدور الذي لعبته المحكمة العليا ومحكمة أمن الدولة ومحاكم الحق العام في زمني حكم الرئيس الحبيب بورقيبة (1956-1987) وخلفه زين العابدين بن علي (1987-2011)، أن لا سلطان ولا نفوذ من دون قضاءٍ موالٍ للرئيس والحكومة، ومن دون قضاة طيّعين ينفذون التعليمات والأوامر، خصوصا أن دستور الجمهورية الجديدة قد مهّد طريق السلطوية والاستفراد بالحكم واحتكار الرئيس له.

وهذا ما يفسّر إصرار الرئيس سعيّد على إلغاء المجلس الأعلى للقضاء في دستوره الجديد، ليصبح هو المرجع الرئيسي والنهائي في الشأن القضائي، وما محاولته رئاسة النيابة العمومية بعد 25 يوليو/ تموز 2021 مباشرة.

وكذلك محاولة إحداث محاكم استثنائية للصلح الجزائي قبل العدول عن هذا التوجه، إلا خطوةً دالةً على الرغبة في الهيمنة غبر توظيف القضاء، لتتلوها خطواتٌ أخرى تجسّدت في حل المجلس الأعلى للقضاء المنتخب واستبداله بمجلس مؤقت، هو من يسمّي أعضاءه من قضاة بالصفة وآخرين متقاعدين.

وقد بلغ الأمر حدّ تنقيح مرسوم 12 فبراير/ شباط 2022 المنظم للمجلس الأعلى للقضاء المؤقت الذي أصدره الرئيس نفسه، وذلك يوم 1 يونيو/ حزيران من السنة نفسها، ويضمّنه الفصل عدد 20 الذي جاء فيه أن “لرئيس الجمهورية في صورة التأكّد أو المساس بالأمن العام أو بالمصلحة العليا للبلاد.

وبناءً على تقرير معلّل من الجهات المخوّلة إصدار أمرٍ رئاسيٍّ يقضي بإعفاء كل قاضٍ تعلّق به ما من شأنه أن يمسّ من سمعة القضاء أو استقلاليته أو حسن سيره”.

لم تخضع رؤية سعيّد القضائية لمقاربة علمية ناتجة عن بحث أو تقرير علمي شامل صيغ بعقل بارد موضوعي ومحايد وبأدوات منهجية صارمة من الرئيس نفسه في أثناء مسيرته البحثية الجامعية (1986- 2018)، باستثناء بحثه اليتيم الصادر سنة 1987 بعنوان “الوكيل العام للجمهورية في تونس 1987”.

أو عمل بحثي من المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية، المؤسسة العلمية الراجعة بالنظر إلى رئاسة الجمهورية، أو من غيره من المؤسسات البحثية القانونية والقضائية التونسية.

وعلى عكس ذلك، تبدو آثار ما يجرى تداوله في صفحات التواصل الاجتماعي من تشهير ببعض القضاة ومحاكمات فيسبوكية وما تتضمنّه تقارير تفقدية من وزارة العدل ونظيراتها الأمنية من معلومات واضحة في خطاب الرئيس المتعلّق بالشأن القضائي.

وقد يكون كذلك لصدى ما تنقله زوجة الرئيس بوصفها قاضيةً من أخبار عن القضاة، وما ينسج من حكايات في أروقة المحاكم، كبير الأثر، ما جعل التوجّه القضائي للرئيس قيس سعيّد لا يختلف في شيء عن سابقيه في فترتي بورقيبة وبن علي وفي أثناء وصول الإسلام السياسي إلى الحكم.

فالقضاء مجرّد أداة لبسط النفوذ والتمكين من أجل السلطة والحكم والهيمنة، وليس قيمةً في حدّ ذاته، ومن واجبه إصلاح المجتمع والدولة وحمايتهما من كل أنواع الجرائم الفردية والجماعية الداخلية والخارجية، وترسيخ قيم الديمقراطية وتداول السلطة السلمي على أرضية النزاهة والشفافية ومناهضة الاستبداد مهما كان مأتاه، لا فرق في ذلك بين رئيس الجمهورية وأي فرد أو مجموعة اقتصادية أو مالية أو تنظيم نقابي أو فرقة دينية أو حزب سياسي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق