حرياترئيسي

إجماع حقوقي على التحذير من تقلص مساحة الحريات في تونس

أعرب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن بالغ قلقه إزاء إصدار محكمة عسكرية تونسية حكمًا بحبس الصحافي “صالح عطية” 3 أشهر بعد إدانته بتهم فضفاضة وغير حقيقية، معتبرا ذلك مؤشرا أخر على تقلص مساحات الحريات في البلاد.

وقال الأورومتوسطي في بيان صحافي إنّ الحكم القضائي العسكري جائر ومتحيّز، إذ لا ينبغي من الأساس محاكمة الأشخاص على خلفية إدلائهم بآراء أو تصريحات معارضة وناقدة، فضلًا عن أنّ محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية يعد إمعانًا في الجور وتطبيعًا للهيمنة العسكرية على الحياة المدنية.

وأشار المرصد الأورومتوسطي إلى أنّ حبس الصحافي “عطية” –وهو مالك ومحرر صحيفة “الرأي الجديد” المحليّة- يتسّق تمامًا مع حملة السلطات التونسية على الحريّات، والتي بدأت منذ إعلان الرئيس “قيس سعيّد” التدابير الاستثنائية في يوليو/ تموز 2021، وشملت احتجاز صحافيين ومعارضين ومنع شخصيات سياسية وقضائية من السفر، وإغلاق مقارّ ومكاتب لوسائل إعلام محلية وعربية.

وقضت الدائرة الجناحية لدى المحكمة العسكرية الدائمة بتونس مساء الثلاثاء 16 أغسطس/ آب الجاري بحبس الصحافي “عطية” بتهم “المسّ من كرامة الجيش الوطنيّ وسمعته.

والقيام بما من شأنه أن يُضعف في الجيش روح النّظام العسكريّ والطّاعة للرّؤساء، و”نسبة أمور غير قانونيّة لموظّف عموميّ دون الإدلاء بما يُثبت صحّة ذلك”، و”الإساءة للغير عبر الشّبكة العموميّة للاتّصالات”.

ووفق محامي الصحافي “عطية”، أصدرت المحكمة قرارها طبقًا لأحكام الفصول (91) من مجلّة المرافعات والعقوبات العسكريّة، و(128) من المجلّة الجزائيّة و(86) من مجلّة الاتّصالات.

إذ عوقب “عطية” بالسجن شهرًا واحدًا بعد إدانته بـ”نسبة أمور غير قانونية لموظف عمومي”، وشهرين آخرين بعد إدانته بـ”المس من كرامة الجيش الوطني..”.

وظهر الصحافي “عطية” في 10 يونيو/ حزيران 2022 خلال مداخلة تلفزيونية عبر قناة “الجزيرة”، قال فيها إنَّ الجيش التونسي رفض تنفيذ أوامر الرئيس “قيس سعيّد” بإغلاق مكاتب الاتحاد العام التونسي للشغل وهو ما نفاه الاتحاد لاحقًا، كما زعم أنَّ الجيش رفض كذلك طلب الرئيس فرض إقامة جبرية على عدد من المسؤولين السياسيين في البلاد.

وبعد يوم واحد، ألقى الأمن التونسي القبض على الصحافي “عطية”، وبعدها بيومين أمر قاضٍ عسكري بحبسه على ذمة التحقيق المتعلق بظهوره في اللقاء التلفزيوني.

وقالت مسؤولة الإعلام في المرصد الأورومتوسطي “نور علوان”: “حتى لو افترضنا أنّ ما قاله الصحافي صالح عطية كان غير دقيق، فإنّ معالجة ذلك بالمحاكمة العسكرية والحبس لا يمكن تفسيره سوى على أنّه تعسف في استخدام القانون للانتقام من الصحافيين والمعارضين، ورسالة ترهيب واضحة للمجتمع المدني بأسره”.

وأضافت أنّه “لا يجب أنّ تنصبّ جهود السلطات المكلّفة بإنفاذ القانون والعدالة على كيفية استخدام القانون للانقضاض على المعارضين والصحافيين، بل ينبغي عليها العمل على صون حقوقهم في حرية النشر والنقد والتعبير عن الرأي”.

ولفت المرصد الأورومتوسطي إلى خشيته الكبيرة من تصاعد الاعتداءات على حرية الرأي والتعبير والنشر في تونس بعد إقرار الرئيس “قيس سعيّد” للدستور الجديد الذي تضمّن نصوصًا تقوّض الحريّات وتمسّ بالبنية الديمقراطية للدولة، وتعطي الرئيس صلاحيات واسعة، ولا سيما في الجهاز القضائي.

ونبّه إلى أنّ سلوك الرئيس التونسي منذ إعلانه التدابير الاستثنائية يثير مخاوف كبيرة من إمكانية استناده إلى الدستور الجديد لشرعنة وتصعيد الحملة على المنتقدين والمعارضين، إذ سعى على نحو كبير إلى السيطرة على القضاء بما يؤشر على ما يبدو إلى نوايا باستخدامه لتقويض الأصوات الناقدة والانتقام من المعارضين.

وأكّد المرصد الأورومتوسطي أنّ التدابير الرئاسية الاستثنائية هيّأت المناخ للاعتداء على الصحافيين وتقييد عملهم ومحاكمتهم أمام محاكم عسكرية، إذ نشر في مايو/ أيّار المنصرم، بالشراكة مع منظمة “صحفيون من أجل حقوق الإنسان”، تقريرًا مفصلًا وثّق فيه المنظمتان تعرّض صحافيين ووسائل إعلام محلية وعربية في تونس إلى أنماط متعددة من الاعتداءات شملت القمع والاحتجاز التعسفي والملاحقة الأمنية والقضائية.

وشدّد على أنّ محاكمة الصحافيين والمدونين أمام المحاكم العسكرية يمثّل تعديًا على المبادئ القانونية المستقرة بحق المدنيين في محاكمتهم أمام القاضي الطبيعي، كما أنّ المبادئ التوجيهية الصادرة عن “اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب” والمكلفة بتفسير “الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب”–والذي صدّقت عليه تونس عام 1983- نصّت على أنّ عمل المحاكم العسكرية يجب أن يقتصر فقط على الجرائم ذات الطبيعة العسكرية البحتة التي يرتكبها أفراد عسكريون، وأنّه لا ينبغي للمحاكم العسكرية في أي ظرف من الظروف أن تكون لها ولاية قضائية على المدنيين.

ودعا المرصد الأورومتوسطي السلطات الحاكمة في تونس إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن الصحافي “صالح عطية”، والتراجع عن سياسة استهداف الصحافيين والمعارضين، والتوقّف عن استخدام القانون لإسكات الأصوات المعارضة والناقدة.

وطالب المرصد الأورومتوسطي الرئيس “قيس سعيّد” بالعدول عن سياسته الإقصائية، والدعوة إلى حوار وطني يشمل جميع القوى السياسية والمجتمعية من أجل وضع حد للأزمة السياسية في البلاد، وضمان العودة إلى المسار الديمقراطي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق