رئيسيسياسي

نزع صلاحيات البرلمان.. خطوة قيس سعيد الجديدة لتكريس الاستبداد

يحذر مراقبون من إقدام رئيس الجمهورية قيس سعيد على نزع صلاحيات البرلمان في تونس عبر مسارعته لتعبيد الطريق للانتخابات التشريعية المقبلة في 17 ديسمبر/كانون الأول المقبل، بالشروع في وضع ترسانة المراسيم لانتخاب مؤسسات ‘الوظيفة التشريعية”، التي ستكون منزوعة الصلاحيات بحسب الدستور الجديد، بنظام الغرفتين.

ويشرع سعيد في سن قوانين المؤسسات التشريعية والدستورية الجديدة كما بينه خلال لقائه أخيرا برئيسة الحكومة نجلاء بودن، حيث دعا إلى إعداد “مشروع مرسوم لانتخاب أعضاء مجلس نواب الشعب المقبل، ثم انتخاب أعضاء المجلس الوطني للجهات والأقاليم “الذي يقتضي نظاماً انتخابياً خاصاً”.

وقال سعيد لبودن إن” التضخم التشريعي الذي عرفته تونس ليس بالحالة الطبيعية، إذ يجب أن توضع النصوص استجابة للتطورات وأن تتنزل في إطار المسار التصحيحي الذي تشهده تونس”، دون أن يوضح قصده من التضخم التشريعي وما الذي يخطط له من وراء ذلك.

ويتساءل مراقبون عن الجدوى من إحداث سعيد لغرفة ثانية أطلق عليها في الدستور تسمية “المجلس الوطني للجهات والأقاليم” في وقت قلص من صلاحيات مجلس النواب، وحصر الغرفتين في المجال التشريعي، كما سحب عنها صفة السلطة التشريعية، ليعوضها بـ”الوظيفة” التشريعية، بحسب نص الدستور الجديد.

وأسست تونس بعد الثورة برلمانا قويا، فكان المجلس الوطني التأسيسي الذي صاغ الدستور ومن بعده مجلس نواب الشعب، صاحب السلطة الأولى ويمثل السلطة الأصلية.

إذ يمنحه دستور 2014 صلاحيات إقرار التشريعات واقتراح القوانين وتعديلها والاعتراض على قوانين السلطة التنفيذية والتصدي لها، فيمكنه عزل رئيس الدولة وتوجيه لائحة لوم له، والرئيس مطالب بتأدية القسم أمام البرلمان قبل تولي مهام الرئاسة.

ويتولى البرلمان أيضاً، مراقبة الحكومة واقتراح رئيسها ومنحها الثقة ومساءلتها وسحب الثقة منها واستجوابها، وأيضا انتخاب الهيئات الدستورية والهيئات العمومية ومراقبتها عبر موازنتها، وكذلك ممارسة الدبلوماسية البرلمانية مع البرلمانات الصديقة.

واعتبر رئيس الجمعية العربية للعلوم السياسية والقانونية وأستاذ القانون الدستوري شاكر الحوكي، في أن “هناك دولا، نظرا لخصوصية تجربتها، ركزت نظام الغرفتين على غرار النظام البرلماني البريطاني (مجلس العموم ومجلس اللوردات) بمعنى أن هناك مجلسا بوظيفة تمثيلية بالأساس ومجلسا ثانيا لديه وظيفة تشريعية وتمثيلية”.

وأشار الحوكي، إلى أن “سعيد ذهب في خيار مجلس بتركيبة مزدوجة، فمجلس نواب الشعب دوره تشريعي بالأساس ومجلس الجهات والأقاليم دوره تمثيلي بالأساس، ولكن الإشكال الحقيقي هو أن السلطة ليست بيد المجلس التمثيلي ولا بيد المجلس التشريعي”.

وفسر الحوكي أن “المبادرة التشريعية أصبحت محتكرة تماما من رئيس الجمهورية، الذي يحظى بأولوية التشريع والنظر، بينما المجلسان المحدثان أصبحا للتزكية والمصادقة للشكلية فقط، أو ما يسمى بغرفة التسجيل كما كان الوضع بالنسبة للغرفتين في زمن نظام بن علي”.

وشدد على أنه “بالدستور الجديد يصبح الرئيس فوق المؤسسات فهو صاحب السلطة الأصلية التأسيسية بحكم أنه من احتكر كتابة الدستور وهو الرئيس المشرع والمنفذ والحاكم والقاضي المحكم، باعتبار أن القضاة وقضاة المحكمة الدستورية معيّنون من قِبله”.

وتابع أستاذ القانون الدستوري أن “السلطة التشريعية الحقيقية مركزة في يد رئيس الجمهورية، فهو يمارس السلطة الترتيبية العامة ويرسم السياسة العامة للبلاد عبر قوانين، بينما البرلمان يقوم بمجرد وظيفة تشريعية تتمثل في تزكية كل ما يقدمه الرئيس، والحكومة أيضا لا تملك سلطة التشريع”.

وشدد على أن “المجلس القادم لن تكون له من الوجاهة والقوة والقدرة ما يجعله يعترض على قانون يقدمه الرئيس أو يرفض التصويت عليه، وأن المجلس سيكون منزوع الصلاحيات يعمل تحت وطأة التهديد بالحل أو بسحب الوكالة من نوابه”.

وأكد أن “هذا المجلس سيخضع دائما لسلطة رئيس الدولة ولن يستطيع مجاراته أو مخالفته وسيحدد الرئيس الأمور كما يحب ويشتهي”. وبين الحوكي أنه “لا جدوى من الغرفة الثانية، مجلس الجهات والأقاليم، وحتى مجلس النواب سيكون شكلا من التزيين وتلميع الصورة أمام الخارج في مقابل أن الرئيس يحتكر سلطة التشريع”.

وشدد الحوكي على أن “هذه الغرفة الثانية تأتي في إطار ما يدعو له الرئيس من نظام قاعدي، فهو مهووس بتنفيذ هذه الفكرة وكان يطمح لوجود سلطة تشريعية قاعدية موحدة وواحدة”.

“ولكنه اصطدم بالواقع وأوهام تحقيق هذا المشروع فترك مسألة التشريع في شكلها التقليدي في مجلس النواب المنتخب مباشرة من قبل الشعب، الذي أصبح جليا في النسخة الثانية، بعد أن صوب الأخطاء التي تسربت إلى النسخة الأولى كما قال، فيما أحدث المجلس الثاني للنظام القاعدي مجهول المعالم الذي لا يعلم أحد كيفية انتخابهم وتصعيدهم إلى مجلس الأقاليم”.

ويوجد الازدواج البرلماني في عدد هام من دول العالم، وخصوصا في الأنظمة البرلمانية الصرفة، ويعود الفضل لبريطانيا في بروز هذا النظام عندما ظهر “مجلس العموم” إلى جانب “مجلس اللوردات”، لتتناقل دول مختلفة هذه التجربة.

وعاشت تونس تجربة الغرفتين عندما أحدث الرئيس الراحل زين العابدين بن علي مجلس المستشارين (2005-2011)، وكان دوره استشاريا بالأساس يتم تعيين أعضائه من رجال الأعمال والوجهاء والأعيان والشخصيات العامة والاعتبارية، الموالين ضرورة للرئيس بن علي، فكان يستمد من تمثيليتهم مشروعية نخبوية وسلطة معنوية لتمديد نظام حكمه وفرض سلطاته.

وكان البرلمان بغرفتيه قبل الثورة التونسية مؤسسة شبه صورية، غالبية مكوناتها من الحزب الحاكم الداعم للنظام ورؤسائه من رجالات بن علي ومن أعضاء الديوان السياسي لحزب التجمع ومن المقربين من الرئيس وعائلته، فكان دور المؤسسة التشريعية وقتها المصادقة على ما يقدمه بن علي من قوانين بغالبية كبيرة وبتزكية واسعة من مختلف مكونات البرلمان، حتى من المعارضين داخل المجلس.

ويرى الخبراء أن سعيد يحن إلى سلطة تشريعية شبيهة بتلك التي كانت زمن بن علي مع إكسائها بملامح أفكاره ومشروعه السياسي الخاص.

وبحسب الدستور الجديد “تُعرض وجوباً على المجلس الوطني للجهات والأقاليم، المشاريع المتعلقة بميزانية الدولة، ومخططات التنمية الجهوية، والإقليمية، والوطنية، لضمان التوازن بين الجهات والأقاليم، ولا يمكن المصادقة على قانون المالية، ومخططات التنمية إلا بالأغلبية المطلقة لكل من المجلسين، كما يمارس هذا المجلس صلاحيات الرقابة والمساءلة في مختلف المسائل المتعلقة بتنفيذ الميزانية ومخططات التنمية”.

ويبرز مختصون أن قيس سعيد ألغى تماما دور مجلس نواب الشعب الرقابي على السلطة التنفيذية، وخصوصا الحكومة، ورقابته على قانون المالية وفي ميزانية الدولة.

وعليه فإن البرلمان في تونس لم يعد سلطة بل هو وظيفة للتشريع لتصبح وظيفة شكلية كأنها لجنة خاصة بالتشريع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق