أخبار تونسرئيسي

بعد استفتاء الدستور: خطوات جديدة من قيس سعيد لتكريس الديكتاتورية

بمجرد إعلان هيئة الانتخابات في تونس عن النتائج الأوّلية للاستفتاء على الدستور عمد رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى إعلان خطوات جديدة لتكريس الديكتاتورية.

إذ اجتمع سعيّد برئيسة حكومته نجلاء بودن، متحدثاً عن ضرورة وضع قانون انتخابي للبرلمان المقبل، وآخر لمجلس الأقاليم، وثالث للمحكمة الدستورية.

ويرى مراقبون أن سعيّد يريد أن يوهم الساحة الوطنية والدولية أيضاً بأن النقاش حول الانقلاب انتهى، وكذلك حول الاستفتاء ونتائجه، ويريد فرض أجندة جديدة على الساحة، موضوعها الأحزاب والانتخابات التشريعية المقبلة وتفاصيل دستوره الجديد.

وربما نجح فعلياً وجزئياً في هذا التكتيك الذي اتخذه من انقلابه في 25 يوليو/ تموز 2021 وربما حتى قبل ذلك وتفرده بالسلطات.

ويعتبر المراقبون أن سعيد منذ بداية انقلابه عمل على فرض الأمر الواقع، وهذا الأمر رسمته الخطة أو خريطة الطريق التي اضطر إلى التصريح بها آنذاك تحت الضغط، وبقطع النظر عن مسألة الإقبال الجماهيري على مشروعه ومشروعيته، فهو ماضٍ مثل قاطرة لا تتوقف ولا تريد أن تتوقف.

ويوضح المراقبون أن “مسألة المشروعية والشرعية في خطابه إنما هي مشروعية ذهنية افتراضية، والشعب الذي يتحدث عنه هو أيضاً شعب افتراضي يسكن في ذهنه فقط، وهو ليس الشعب الفعلي الذي يمكن أن يعود إليه في كل مرة عبر استفتاء أو انتخابات”.

ويظهر أن سعيّد ماضٍ في تحقيق جميع تفاصيل ومفردات خطته، إذا لم تعترضه عقبات من معارضة أو مقاومة.

ومقاطعة الاستفتاء كان من المفترض أن تكون دلالة لسعيّد، ذلك لأن استفتاءً حول دستور سيحكم عبر حقبة زمنية لا نعرف امتدادها، لا يمكن لربع الشعب فقط أن يزكيه وهذا غير مقبول، هذا إذا سلمنا جدلاً بأن نتائج الاستفتاء سليمة.

ولكن سعيّد يبدو غير معني بالشعب ولا بالشعبية، فهذا الرجل واتته فرصة فقفز على المشهد وسيطر عليه، ولن يتراجع ولن يتخلى عن أي شيء.

ويؤكد المراقبون أن سعيّد “يدرك جيداً أن لا شيء يهدد بنيانه، لا الداخل، ولا الخارج جاد في محاصرة هذا العنف الذي صادر الديمقراطية، وبالتالي فنجاحه في فرض النقاش الذي يختاره على المشهد أمر صحيح، وهو يجرّ الناس إلى حيث يريد وكأنه يستغل هذا السلوك السياسي الانفعالي”.

بحيث يطرح ويفرض النقاش حول عدد من المفردات والتفاصيل كيفما يختار حول الدستور الجديد وعلاقته بدستور 2014 ونسبة المشاركة وغيرها، وليس على القضايا الأصلية، وغرفة العمليات التي يستند إليها تدرك هذا الأمر جيداً وتختار توقيت وموضوع النقاش.

ويذهب المراقبون إلى تأكيد أنه على الرغم من كل ذلك، فإننا “قادمون على أزمة اجتماعية واقتصادية وشيكة بسبب ارتفاع الأسعار وتداعيات الحرب الأوكرانية، وقد ينتج عن ذلك ما لا تحمد عقباه، وعندها سينسف المشهد برمته، ولن تكفي مدرعة وسط العاصمة للوقوف أمام شعب اقتلع منذ عشر سنوات أعتى الديكتاتوريات”.

وسعيّد في نهاية الأمر لا يتحرك في مساحة اختيار، بل في مساحة اضطرار، لأنه لا يمكن أن يعود إلى الوراء ولا يملك سوى المضي قدماً.

من جهته، يقول عضو جبهة الخلاص رضا بلحاج، في إن “سعيّد يواصل سياسة الهروب إلى الأمام، وهو في قرارة نفسه واعٍ بفشل الاستفتاء، ولكن ليست لديه خيارات أخرى سوى المضي قدماً ومحاولة فرض طرح مسألة القانون الانتخابي والمحكمة الدستورية وغيرها”.

ويشير بلحاج إلى أن “الانقلاب لم يسقط بالاستفتاء، ولكنّ فشل الاستفتاء طرح ثنائية شرعية دستور 2014 ودستور 2022 على الساحة السياسية والشعبية”.

ويتابع “هزيمة سعيّد كانت أشد خارجياً بعد الاستفتاء وأكثر من الداخل، لأنه كان يعتبر أن 2.8 مليون ناخب هو نجاح بسبب مخاوفه من حصول أرقام أقل بكثير، ولكن الضربة القادمة من الخارج كانت قاسية لأن المعايير الدولية بعيدة عن 30 بالمائة التي حققها سعيد، إذا سلّمنا بصحتها”.

ويشير إلى أن “الخارج يعتبر أن نسبة 50 بالمائة هي أدنى نسبة مشاركة في أوروبا وفي الديمقراطيات العريقة عندما يتعلق الأمر بالدساتير”. ويبيّن أن “سعيّد كان يريد غلق قوس الانتقادات الدولية حول الاستفتاء، وبدورهم في الخارج كانوا ينتظرون نتائج الاستفتاء لقياس شعبيته التي كان كثيرون يتحدثون عن توسعها وبلوغها نسباً كبيرة”.

ويفيد بلحاج بأن “سعيّد اليوم في مأزق، لأن خريطة الطريق التي أعلنها كانت أساساً موجهة إلى الخارج، وتحت ضغط منه، ولم تكن للتونسيين، وكان يفضل البقاء في حالة التدابير الاستثنائية حتى يركز حكمه”.

ويبيّن أن سعيّد “فهم من الموقف الدولي الناقد بشدة للاستفتاء أنه لن يتم تمويل الموازنة، وسيبقى رهين عودة الأوضاع، وبالتالي خيّر اللعب على شعبوية داخلية بالحديث عن السيادة والتحدي والتصعيد”.

ويعتبر بلحاج أن “أميركا حسمت أمرها من جهة سعيّد، وصندوق النقد الدولي لن يقرض تونس على عكس ما يروّج، وهو ما ستبيّنه الأيام”، مشيراً إلى أنه “لن يتم الرفض مباشرة، بل سيكون هناك تمطيط في الإجراءات والمماطلة باللقاءات”.

ويفيد بلحاج بأن “سعيّد في أزمة حقيقية، فهو ما لم يحلّ المأزق الاقتصادي والتمويل لن يستطيع طي المأزق السياسي وقوس الانقلاب”، مبيناً أن “سعيّد يتخبط، وكلّ شيء متوقع منه، بما في ذلك العودة خطوة إلى الوراء”.

وينبه إلى أن “الأزمة ستداهمه في الشهرين المقبلين، ولن يبقى له سوى حلّ وحيد وهو الرجوع للحوار مع الأطراف الداخلية وفتح قنوات حوار، وطبعاً من أهم الأطراف الداخلية جبهة الخلاص بكل مكوناتها”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق