رئيسيسياسي

قيس سعيد يقحم تونس في أزمات دبلوماسية دفاعا عن مشروعه الاستبدادي

يعمد رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى إقحام تونس في أزمات دبلوماسية دفاعا عن مشروعه الاستبدادي وذلك عقب الرفض الدولي الواسع لدستور البلاد الجديد.

إذ دخلت تونس في أزمة دبلوماسية جديدة مع الولايات المتحدة، بعد مواقف قيس سعيّد ووزير خارجيته عثمان الجرندي، وانتقادهما الشديد لمواقف المسؤولين الأميركيين حيال الأزمة التونسية وتقييمهم للاستفتاء على الدستور الجديد والمسار السياسي الذي يقوده سعيّد.

وأعرب الجرندي عن استغراب بلاده الشديد من هذه التصريحات والبيانات الأميركية “التي لا تعكس إطلاقاً حقيقة الوضع في تونس، أو الجهود المبذولة منذ 25 يوليو/تموز (2021) لإعادة هيكلة وتأهيل الحياة السياسية على أسس صحيحة ومتينة، لإصلاح تراكمات العشرية السابقة في وقت قياسي، وبناء نظام ديمقراطي حقيقي، قوامه العدل والمساواة وحقوق الإنسان التي تضّمنها الدستور الجديد، بما يستجيب لتطلعات الشعب التونسي”.

وأكد الجرندي أن تونس “ترفض أي تشكيك في مسارها الديمقراطي الذي لا رجعة فيه أو في خيارات شعبها وإرادته التي عبّر عنها من خلال صندوق الاقتراع بأغلبية واسعة، وفي كنف النزاهة والشفافية، وفقاً للمعايير الدولية المتعارف عليها، وبشهادة الملاحظين الدوليين الذين رافقوا سير الاستفتاء”.

ويقول الوزير هذا الكلام، وما يتضمنه من إشارات إلى “أغلبية واسعة من خلال الصناديق” و”انتخابات شفّافة وفق معايير دولية” و”بناء نظام ديمقراطي حقيقي”، وكأنه نسي أن ثلاثة أرباع الشعب التونسي لم يتوجهوا إلى هذه الصناديق.

أو كأنه أيضاً لم يسمع ولم يتابع موجة التشكيك في ملاءمة الاقتراع في الاستفتاء على الدستور الجديد للمعايير الدولية، والتي لم تصدر فقط عن المعارضة في تونس، وإنما من منظمات مشهود لها بالصدقية والحيادية على امتداد سنوات.

ويؤكد الجرندي على “نظام ديمقراطي حقيقي”، تقول عنه كل الجهات في الداخل والخارج، إنه توطئة لحكم الفرد المطلق وهدم للديمقراطية.

الأمين العام للحزب الجمهوري، عصام الشابي، علّق عبر منصات التواصل الاجتماعي، على هذا الجدل، قائلاً إن “خطاب السيادة الوطنية ومعركة استقلال القرار الوطني، كغيره من شعارات الاستهلاك الداخلي، لم يعد ينطلي على أحد، لأن سيادة تونس في تعزيز وحدة شعبها ودعم مناعة مؤسساتها، وعلوية القانون فيها، وتثبيت أسس الحكم الرشيد، وخلاف ذلك، فهو شقّ للجبهة الداخلية وإضعاف للدولة وتعريض مصالحها الحيوية للخطر”.

وهذا هو عين الصواب وعمق مفهوم السيادة وطريق تجسيدها. ولكن بعض المسؤولين التونسيين يغمسون الحق بالباطل، يمسحون من على الخريطة حق 72 في المائة من الناخبين لم يذهبوا للصندوق، ويرفضون هذا المسار برمته.

وكأن الشعب عندهم هو من اختارهم فقط، وليذهب الباقون إلى الجحيم، لأن من ليسوا مع الحاكم متآلبون في الغرف المظلمة مع السفارات ضد وطنهم، ومصيرهم المحتوم معلوم، وسيأتي يوم حسابهم قريباً.

وقد جاءت أغلب المواقف الدولية بخصوص الاستفتاء على الدستور التونسي الجديد ناقدة وقلقة ومعبرة عن مخاوف، ما يعكس توجه البلاد نحو مزيد من العزلة الدولية.

وعلى عكس الانتخابات الماضية لم تصل إلى تونس تهنئات من جهات دولية كما جرت العادة، وإنما تهاطلت البيانات المنتقدة التي تلتقي كلها حول عدد من النقاط، أبرزها المخاوف من ضرب الحقوق والحريات، واختلال توازن السلطات، وضعف المشاركة، بما يعني عدم وجود شرعية شعبية لنتائج الاستفتاء.

وطبعا حظي موقف الولايات المتحدة باهتمام كبيرة، وخصوصا أنه جاء في أكثر من تصريح وبيان خلال الأيام الثلاثة الماضية، كان آخرها بيان وزير الخارجية أنتوني بلينكن، الذي أكد أن بلاده “تساند بقوة المنظومة الديمقراطية في تونس وتطلعات شعبها إلى مستقبل آمن ومزدهر”.

وأوضح “لقد اتسم استفتاء تونس على الدستور يوم 25 يوليو بتدني نسب مشاركة الناخبين. نشاطر العديد من التونسيين انشغالهم من أن المسار المنتهج في صياغة الدستور الجديد قد قيّد مجال النقاش الحقيقي وأن الدستور الجديد يمكن له أن يضعف الديمقراطية في تونس ويَحُط من احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية”.

ودعا بلينكن إلى “قيام عملية إصلاح جامعة شفافة، وهو أمر جوهري للشروع في استعادة ثقة الملايين من التونسيين الذين لم يشاركوا في الاستفتاء أو عارضوا الدستور الجديد”.

بدوره اعتبر الاتحاد الأوروبي أنّ نسبة المشاركة في الاستفتاء على الدستور المقترح “ضعيفة”، مشيرا إلى أن “التوافق الواسع بين مختلف القوى السياسية بما في ذلك الأحزاب السياسية والمجتمع المدني يعد أساسيا لنجاح مسار يحافظ على المكاسب الديمقراطية”.

وأشار الاتحاد الأوروبي في بيان نشره على موقعه، إلى أن “هذه المكاسب ضرورية للإصلاحات السياسية والاقتصادية المهمّة التي ستجريها تونس، كما أنّ شرعية هذه الإصلاحات وديمومتها مرتبطتان بهذا التوافق”.

وقد وصفت منظمة العفو الدولية، في تقرير لها، الدستور بـ”المعيب، بما يفكك أو يهدد الضمانات المؤسساتية الرئيسية لحقوق الإنسان”، معتبرة أنه “يزيل الحماية عن المدنيين من المحاكمات العسكرية، ويمنح السلطات سلطة تقييد حقوق الإنسان أو التراجع عن الالتزامات الدولية لحقوق الإنسان”.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق