رئيسيسياسي

لماذا يعادي قيس سعيد دستور الثورة التونسية؟

اتخذ رئيس الجمهورية قيس سعيد موقفا معاديا من دستور الثورة التونسية وذلك مع مضيه حاليا على فرض دستور جديد وفق أهوائه ورغباته الاستبدادية دون توافق وطني.

ويتكوّن الدستور التونسي الذي أنتجته الثورة (2014/01/27) من 149 فصلا، موزّعة على عشرة أبواب، تعلّقت أساسا بتحديد هوية الدولة التونسية وطبيعة نظامها السياسي، وإعلاء الحريات العامّة والخاصّة.

ويقوم على بيان مهامّ المجلس النيابي التشريعية والرقابية، وأدوار رأسي السلطة التنفيذية (رئيسي الجمهورية والحكومة)، وصلاحيات كلّ منهما، واعتبار القضاء سلطة مستقلّة، وضبط مهامّ الهيئات الدستورية، وترسيخ السلطة المحلّية تكريسا لمبدأ اللامركزية، والنصّ على مداخل تعديل الدستور، وكيفية تفسيره وتأويله، وذكر جملةٍ من الأحكام الانتقالية، في مقدّمتها ضرورة تطبيق مخرجات العدالة الانتقالية.

ومع أنّ دستور الثورة مسكونٌ بروحٍ تقدّمية، توافقيةٍ ظاهرة، ومؤسّس على دمقرطة الحياة السياسية، وتأمين التوازن بين السلطات، والتداول السلمي على الحكم، واستقلال القضاء، واحترام حقوق الإنسان، وصوّت عليه نوّاب الشعب فصلا فصلا، ثمّ نصّا متكاملا، وصدّقوا عليه بأغلبية ساحقة (200 من 217).

فإنّ الرئيس قيس سعيّد عطْل يوم 2021/07/25 بعض أبواب الدستور، وتحدّث يوم 2021/12/13 عن ضرورة تغييره.

ثمّ عيّن تاليا ما تسمّى “الهيئة الاستشارية من أجل جمهورية جديدة” (2022/05/20)، وكلّفها بتقديم مقترحات إصلاحات اقتصادية وسياسية إليه، وبكتابة دستورٍ آخر للتونسيين بديلا عن دستور الثورة.

والحال أنّ تغيير الدستور ليْس مطلبا شعبيا. والمشاركون في احتجاجات 25 يوليو/ تموز 2021 لم ينادوا بتغيير الدستور.

يضاف إلى ذلك أنّ الفصل 80 المتعلق بالتدابير الاستثنائية لا يمنح الرئيس حقّ تبديل الدستور، فذلك ليس من مشمولاته، بل من اختصاص البرلمان والمحكمة الدستورية.

ويبدو أنّ أنصار الثورة المضادّة، وقوى الشدّ إلى الخلف في الداخل والخارج، ضاقوا بالمحمول الحقوقي/ الديمقراطي المكثف لدستور 2014، ورأوه عقبة كأداء في وجه تأسيس دكتاتورية جديدة في تونس.

لذلك دفعوا قيس سعيّد إلى تغييره، طمعا في إحياء ملامح نظام شمولي مغلق. وعمدوا، في هذا السياق، إلى ترويج مغالطات عدّة استهدفت دستور الثورة.

يروّج المتحاملون على دستور الجمهورية الثانية مغالطةً أنّه دستور حركة النهضة، ذات المرجعية الإسلامية. والواقع أنّ هذا الزعم لا يسلم لأصحابه، ذلك أنّ دستور الثورة لم يكن نتاج جهد حزبٍ معيّن ولا فرْد محدّد، ولا منحة زعيم مبجّل.

بل إنه كان نتاج حوار مجتمعي واسع، شارك فيه خبراء، ومثقفون، وحقوقيون، ونقابيون، وممثّلو القوّات المسلّحة، والجاليات التونسية في الخارج، والهياكل الوسيطة، والجمعيات المدنية، والمنظمات الدولية، والمتحزّبون وغير المتحزّبين.

استمعت اللجان البرلمانية لكلّ هؤلاء وغيرهم. وجرى درس مقترحاتهم وتوجيهاتهم، وإدراج الوجيه منها في نصّ الدستور بعد نقاش مستفيض تحت قبّة المجلس النيابي وخارجه.

فقد كانت محامل مشروع الدستور مدار جدل في الفضاء العام، وموضوع حوار بين الحاكم والمحكوم، وبين النخب وعموم المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الفئوية ومرجعياتهم الفكرية.

ولم يكن دستور2014 أمرا فوقيا، ولا منجزا طبقيا، ولا سِفْرا محبّرا بغرف مغلقة أو مفروضا على الناس بأمر رئاسي. كان خيارا جماعيا، جسّد الإرادة الشعبية بامتياز.

وقد نجح المكوِّن الحقوقي/ التحديثي في تضمين مبادئ مهمّة في دستور الثورة من قبيل حرّية الضمير (الفصل 6)، ومدنية الدولة (الفصل 2)، والمساواة بين المرأة والرجل، واستقلالية السلطة القضائية.

ومن ثمّ، فنحن إزاء دستور جرى إنجازه عبر تلاقح الأفكار والتجارب، في كنف الشفافية، والتوافق، وهو من أبرز مكاسب الثورة التونسية، ومن علاماتها المميّزة لما حمله من نفسٍ ديمقراطي/ تقدّمي.

على صعيد آخر، يذهب المناوئون لدستور الثورة إلى أنّه شتّت القرار، وبعثر السلطة، وفكّك الدولة بإقراره الفصل بين السلطات، وقطْعه مع مرْكزة الحكم بيد شخص واحد.

والحقيقة أنّه نظّم توزيع السلطة، ومنع احتكارها من طرف معيّن تفاديا لتغوّل رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو رئيس المجلس النيابي.

فضبَط المشرّع صلاحيات كلّ طرف، وحدوده وأدواره على نحوٍ كان القصد منه تأمين التوازن بين السلطات، وتحقيق مطلب الرقابة المتبادلة بينها مع الحرص على استقلالية كلّ سلطة، وتعاونها البنّاء مع السلطات المجاورة.

ونصّ الدستور، في هذا السياق، على تفعيل الرقابة القضائية، وحتمية إحداث المحكمة الدستورية للنظر في مدى دستورية القوانين، ولفضّ الخلافات الناجمة عن الصراع على الصلاحيات وعلى تأويل الدستور.

ولا يُلام الدستور في اندلاع النزاع على الاختصاص بين الرئاسات الثلاث (الجمهورية، الحكومة، البرلمان). بل اللوم على الفاعلين السياسيين الذين لم يلتزموا حدودهم القانونية وصلاحياتهم الدستورية، وغلبتهم أهواء تمديد النفوذ، وتجاوز الاختصاص، والتهافت على الزعامة.

كما يعتقد المعارضون لدستور الثورة أنّه أسّس “دولة القُضاة”، ومنحهم امتيازاتٍ عديدة، واستقلالية معتبرة، وخصّهم بباب “السلطة القضائية”، وعندهم أنّ القضاء يجب أن يكون وظيفة لا سلطة مستقلّة. وتكمن خطورة هذا التصوّر في أنّه يروم تدجين المؤسسة القضائية، وضرب حيادها، وجعلها تابعة للسلطة الحاكمة.

والأمر خلاف ذلك في دستور2014 الذي حرّر القضاء التونسي من هيمنة رئيس الجمهورية ووزارة الداخلية، ومنح المجلس الأعلى للقضاء صلاحياتٍ واسعة، وجعله هيكلا منتخَبا، وجهازا تمثيليا وازنا، تولّى النظر في شؤون القُضاة وتقويم أدائهم.

كما وفّر للقاضي قدْرا معتبرا من الاستقلالية على نحو ساهم، ولو نسبيا، في تعزيز العدالة، وإعلاء القانون، وخفّف من الضغوط السلطوية/ الفوقية المفروضة على القضاة منذ قيام ما تعرف بالدولة الوطنية.

ومن ثمّة كان القصد في دستور2014 تحرير القاضي من سطوة السلطة التنفيذية، وتفعيل الرقابة القضائية على القضاة وغيرهم، وتكريس الحوكمة، وضمانات المحاكمة العادلة.

ومع أنّ دستور الثورة في تونس معدود من بين الدساتير الطويلة لإسهابه في ذكر تفاصيل متعلّقة بمسائل شتّى، فإنّ معترضين عليه يرون أنه لم يكن شاملا. ويستدلّون على ذلك بأنّه لم يحمل طيّه محتوى اقتصاديا مكثّفا.

ويغيب عن هؤلاء أنّ تفصيل القول في البرامج الاقتصادية والمشاريع التنموية ليس من مهامّ الدستور. بل من اختصاص الأحزاب الفائزة في الانتخابات والحكومات المكلّفة بإدارة البلاد، فهي المعنية بتقديم برامج للنهوض الاقتصادي والتنمية الشاملة، وتحديد تفاصيلها وآليات تحقيقها.

لكنّ ذلك لا يمنع من الإشارة إلى أنّ دستور 2014 تضمّن عناوين مهمّة بشأن المسألة الاجتماعية/ الاقتصادية، من قبيل تنصيصه على الدور الاجتماعي للدولة، وعلى أنّ التشغيل حقّ لكلّ مواطن، وعلى أهمّية التنمية الجهوية والمحلّية، وضرورة تمكين الشباب والمرأة، وتحقيق التنمية المستدامة.

وعلى سبيل المغالطة، يزعم متحاملون على دستور الثورة أنّ تطبيقه أنتج أزمة شاملة في البلاد. والحال أنّ خَرْق الدستور وعدم تنزيل محامله في الواقع هو ما أنتج الأزمة، وأدّى إلى تعقيد الأوضاع وإرباك سيرورة الدولة، وتوتير المشهد السياسي والعمراني في تونس.

فعدم تأسيس المحكمة الدستورية التي نصّ الدستور على ضرورتها أجّج الصراع على السلطة بين الرئاسات الثلاث، وغدا كلّ طرفٍ يدّعي أنّه الأجدر بحكم البلاد، وأنّه يملك حقيقة تأويل الدستور.

كما أنّ عدم التزام الرئيس قيس سعيّد بواجباته الدستورية، من قبيل رفضه قبول وزراء لأداء اليمين أمامه، وعدم ختمه قانون المحكمة الدستورية، فضلا عن حلّه البرلمان، وإقالته الحكومة وتنصيبه أخرى من دون أن تنال ثقة مجلس النواب، تعدّ، بحسب مراقبين، إخلالات دستورية، ساهمت في تأزيم المشهد في البلاد. والدستور من ذلك براء.

بناء عليه، دستور 2014 نموذج لعقد اجتماعي/ مدني، حظي بمشروعية شعبية واسعة، وتحميله وِزر الفشل السياسي، مغالطة كبرى تروم تيئيس الناس من مشروع الدمقرطة.

وكان الأحرى تعديل جوانب من الدستور (إعلاء الواجبات مثل الحقوق، الأغلبية المعزّزة، حكومة الرئيس ومسألة الشخصية الأقدر، ختم القوانين، تكييف إضراب قطاعات حيوية ..) بدل تقويضه.

فتونس لا تحتاج دستورا جديدا، بل تحتاج عقلا قياديا تحاوريا، يؤمن بالنقد الذاتي، والانفتاح على الآخر، وتشريك المواطنين في صناعة القرار.

والثابت أنّ فرض دستور آخر على التونسيين لن يغيّر نمط حياتهم نحو الأفضل، ولن يفكّ مغالق الأزمة السياسية والاقتصادية، بل سيزيد الأوضاع تعقيدا، وسيعمّق الفجوة بين الحاكم والمحكوم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق