أخبار تونسرئيسي

نزاع الهوية في تونس.. مخاطر جسيمة لتمرير التطبيع والتخلي عن فلسطين

وجد التونسيون أنفسهم مؤخرا على وقع جدل الهوية ونزاعاتها ومحاولات التلاعب بها بالتوازي مع خيارات “25 جويلية” (يوليو/ تموز) التي تتجلى ملامحها تباعا في المراسيم التي يصدرها الرئيس قيس سعيّد.

يأتي ذلك بعد أن نصّب سعيد نفسه سلطة تشريعية وحيدة في تونس، بدلا من مجلس نواب الشعب الذي حلّه، وجعل من أفكاره وتجربته الأكاديمية مرجعا ومحكّا تشريعيا وقانونيا عوّض الدستور التونسي الذي تم تعليق العمل بمبادئه وفصوله.

والاستعاضة عنها بالنظام المؤقت للسلطات العمومية الوارد في المرسوم الرئاسي عدد 117 لسنة 2021، وبعد أن أصدر مرسوم بعث الجمهورية الجديدة وتولية الخبير القانوني، الصادق بلعيد، على رأس الهيئة الاستشارية التي ستكتب دستورها.

دشّن قيس سعيّد، الأستاذ الجامعي، ورئيس الدولة، النقاش في هوية تونس وعلاقتها بالدولة التونسية، وأثار مسألة إسلام الدولة.

وذلك بعد أن ساد اعتقاد بأن دستور 1959 قد حسم الأمر من خلال الصيغة التي وردت في فصله الأول، أن “تونس دولة حرّة، مستقلّة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها”، والتزم دستور 2014 الصيغة نفسها مع إضافة “لا يجوز تعديل هذا الفصل”.

تناول سعيّد في محاضرة بعنوان “والإسلام دينها”، ألقاها في شكل درس افتتاحي بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس، واحتفالا بإحالته على شرف المهنة (التقاعد عن العمل)، يوم الأربعاء 12 سبتمبر/ أيلول 2018، الفصل الأول من الدستور التونسي، والتنصيص على الديانة في دساتير بعض الدول العربية والإسلامية بالدرس والتمحيص والنقاش، إلا أن ما خلُص إليه تغيب عنه المصداقية، ولا يخلو من تناقض وتبسيط.

فقد صرّح، منذ البداية، قائلا إن “دستور 2014 حافظ على الفصل 1 من دستور 1959، وقد جاء في التقرير العام للدستور المؤرخ في 24 جانفي (يناير/ كانون الثاني) 2013 في فقرة المبادئ العامة أنه “بتوافق وطني واضح وبمبادرة تاريخية، تم الاتفاق على الاحتفاظ على الفصل 1 من دستور 1959″.

ولكن أضيفت لهذا الفصل فقرة ثانية تنصّ على منع تعديله. المجالس بالأمانات، ولكن الله وحده يعلم الدور الذي أدّيته من أجل الإقناع بضرورة الإبقاء على الفصل 1 من دستور 1959 في دستور 2014”.

وهو إقرارٌ صريح بأن قيس سعيّد، الخبير القانوني والدستوري آنذاك، لعب دورا له أهمية في الحفاظ على الفصل الأول من دستور 1959 الذي صاغه الرئيس الحبيب بورقيبة، وفق رواية سعيّد نفسه، بعد أن دعاه المجلس الوطني التأسيسي إلى إبداء رأيه في أكثر من مناسبة، وبموجب ذلك، تمت المحافظة على عبارة “والإسلام دينها”، معتبرا أن الضمير يعود على الدولة، وليس على تونس كما جرى تأويله من أغلب النواب المؤسسين الأوائل، ومن فقهاء القانون والسياسة لاحقا.

ومباشرة بعد الاستماتة في إثبات أن الدولة التونسية “دينها الإسلام”، يذهب سعيّد إلى نقيض موقفه بالقول “لا بد من التأكيد على أنها (الدولة) فكرة، ثم هي مؤسسة قانونية قائمة الذات، من قبيل التصور والخيال، فلم يجلس أحد مع الدولة بتعبير أحد الفقهاء على مائدة الغداء.

فكيف لهذه الذات المعنوية أن تكون لها عقيدة، وأن تدين بدين من الأديان؟ هل توجد بهذا المفهوم الحديث للدولة دولٌ تطوف بالبيت الحرام أو تسعى بين الصفا والمروة أو تتطهّر أو تصوم؟ هل يوجد يوم حشر للدول، فيدخل بعضها للجنة، ويُدخل بعضها الآخر للنار، بعد أن تمر كل دولة على الصراط؟ هل توجد ذات معنوية قانونية أعلنت توبتها أو غسلت حوبتها، أو على العكس أعلنت ردّتها، وغيرت ملّتها، أو كشفت عورتها؟”.

كرّر سعيّد هذا الكلام عدّة مرات من موقع رئيس الدولة، وصرّح في محاضرة له على هامش تسليم جوائز الفائزين في الدورة 53 للمسابقة الوطنية لحفظ القرآن الكريم في نهاية شهر رمضان المنقضي، قائلا “لن نرى دولة ولا مجلسا نيابيا على الصراط، أو حكومة بوزرائها وكتّاب دولتها تمر على الصراط أو تتساقط على الصراط يمينا وشمالا”.

واعتمادا على المنطق نفسه الذي يعتمده الرئيس سعيّد أن الدول لا تطوف بالبيت الحرام ولا تمشي الحكومات على الصراط، فإن الدول لا تتنقل لزيارة بعضها بعضا أو تجلس جنبا إلى جنب في الأمم المتحدة أو تدافع عن نفسها في المحاكم الدولية، أو تتحوّل إلى عقد الصفقات والتبادل التجاري، أو تخاطب مواطنيها أو تمشي على أرجلها.

وإذا ما أريد تبسيط المسائل قياسا على أقوال سعيّد، فمن يتولى تلك المهام هم ممثلو الدول، وتُعرف الدول بثقافات شعوبها ورموزهم الثقافية والدينية واللغوية، والدولة، في نهاية الأمر، هي الجهاز الذي ينظم المجتمع ويدير شؤونه، ويعبّر عن كل مكونات ثقافته، بما في ذلك الدينية، من خلال نصوص دستورية وقانونية ومؤسسات شرعية على غرار الحكومات والتمثيليات الدبلوماسية والمنشآت العمومية.

وفي هذا السياق يمكن فهم “والإسلام دينها” في الدستور التونسي، سواء تعلق الأمر بالدولة التونسية أو بتونس ككل.

بكثير من المكر الدستوري، استغلّ الخبير القانوني، الصادق بلعيد، المكلف بوضع مسوّدة دستور “الجمهورية الجديدة”، مقاربة سعيّد عن علاقة الدين بالدولة، وتصريحاته المتكرّرة الرافضة إسلام الدولة التونسية.

وذلك لترويج موقف قديم نُشِّئ عليه في أثناء مراهقته الفكرية والسياسية، يخلط عن قصد بين الإسلام “الدعوة الطاهرة لهذا العالم”، حسب وصف علي عبد الرازق في كتابه “الإسلام والحكم”، والإسلام السياسي الذي تجسّده تنظيماتٌ سياسيةٌ دينية، وأخرى تكفيرية مقاتلة، تعتمد العنف وسيلة لتحقيق الأهداف السياسية، أرّخ لها منذ النصف الأول للقرن الرابع الهجري، أبو الحسن الأشعري، في كتابه “مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين”.

ويبرّر بلعيد، في تصريح تلفزي يوم 8 يونيو/ حزيران الجاري، موقفه بأن “فترة حكم الإسلاميين في تونس كانت فترة خرابٍ على كلّ المستويات، ما أوصل تونس إلى الهوّة، وأن الإسلام السياسي هو استعمالٌ للدين لمصالح غير دينية”، ثم يخلص إلى النتيجة نفسها التي خلص إليها سعيّد قائلا “الدولة كيان معنوي وهياكل لا روح ولا دين لها، والقول بأن تونس هي دولة دينها الإسلام لا معنى له”.

يذهب سعيّد، في موقفه الرافض دين الدولة، إلى أن الإسلام يجب أن يُنسب إلى الأمة، من دون أن يحدّد فيما كتبه من مقالات منشورة ماهية تلك الأمة، فهل هي الأمة التونسية أم الأمة العربية أو نظيرتها الإسلامية؟ وذلك تجنّبا للمناكفات السياسية والنعت الأيديولوجي الذي قد تحدثه التسمية.

ومع ذلك، فإن مصطلح الأمة مطلقا ومن دون تحديد تستخدمه بكثرة تيارات الإسلام السياسي وفرقه وتنظيماته، وهو ما قد يعطي فكرة عن أيديولوجيا الرجل قبل تولي الرئاسة وصدامه مع الإسلاميين. بينما يعتقد بلعيد أن ذكر الإسلام في الدستور يعطي مبرّرا لاعتماده أحد مرجعيات وضع التشريعات، وهو ما يرفضه رفضا قطعيا، انتصارا لما وصل إليه في كتابه “القرآن والتشريع” من دحض لفكرة التشريع القرآني، وأن الإسلام دينٌ يقوم على وجود علاقة عمودية بين الإنسان وربه.

وبقطع النظر عن أهمية هذه المطارحات في سوق الأفكار وجدوى تناولها بالدرس، لا يجب أن تستحيل نزوة فكرية، ينطلق منها كل من سعيّد وبلعيد لطمس هوية التونسيين القائمة بصفة رئيسية على الدين واللغة، ومحوها من النصوص الكبرى المؤسسة للدولة التونسية.

لن يزول الإسلام من تونس، وهو المترسّب في أعماق الأفراد والشخصية القاعدية، وفي أصغر خلايا المجتمع وجماعات الانتماء المختلفة وهوياتهم الفرعية، المنحوت في الذاتية التونسية من أكثر من 1400 سنة وعلى مرّ العصور والأزمنة، بإلغاء “والإسلام دينها” من الدستور التونسي.

لكن وصمة عار وعلامة سوداء ستصم رجلي القانون وتاريخهما، وهما المؤتمنان على كتابة دستور، تفترض ديو أنطولوجيا السياسة منهما الإقرار بالخصائص الكبرى للمجتمع في تونس، وخصوصا الدين الإسلامي واللغة العربية والدفاع عن القضية الفلسطينية، وتضمين ذلك كله في القانون الأساسي للدولة ومختلف النصوص والتشريعات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق