أخبار تونسرئيسي

إضراب القضاة يدخل أسبوعه الثاني وسط رفض لحكم الفرد المطلق

يدخل القضاة التونسيون أسبوعهم الثاني من الإضراب احتجاجاً على محاولات الرئيس قيس سعيّد السيطرة على القضاء بالكامل، بعد إعفاء 57 قاضياً.

وقد بيّنت كل المعطيات أن أغلب المعزولين يشغلون مناصب مهمة في سلسلة قضائية يحاول النظام السيطرة عليها، وتنفيذ ما أراده منذ ليل 25 يوليو/تموز الحالك، الذي يقود البلاد إلى ظلام الديكتاتورية وحكم الفرد المطلق.

ليلتها، كان رئيس الجمهورية قيس سعيد أعلن بوضوح أنه يريد أن يكون رئيساً للنيابة العمومية، لكن الرفض الواسع جعله يتراجع، أو بالأحرى يؤجل ذلك إلى حين، وهو ما أظهرته الأحداث.

هناك أحكام قضائية لا تعجب الرئيس، عبّر عنها بوضوح أكثر من مرة، وقرارات من القضاء بخصوص بعض الملفات المتعلقة بخصومه لا ترضيه.

واليوم، انتهى صبره لأن الوقت ينفد منه وهو يستعجل الاستفتاء، لأنه يظن أنه أول بناء البيت الذي يريد أن يرفعه فوق أنقاض الجميع. لكن ذلك يستوجب الانتهاء من خصومه، وليس بيديه وإنما عن طريق أحكام باتة، وهذا هو بيت القصيد.

لذلك فقد قرر أمام صمود القضاة أن يحسم الأمر سريعاً بمبررات الفساد والزنى والتشهير بالناس وهتك الأعراض التي ضجت بها مواقع التواصل الاجتماعي في تونس خلال الأسبوع الماضي.

وليس هذا فقط، فقد أثار ما كشفه رئيس جمعية القضاة التونسيين أنس الحمادي، بخصوص تدخّل وزيرة العدل ليلى جفال في قضية متعلقة بمؤتمر اتحاد الشغل ومحاولة التأثير فيها، صدمة كبيرة.

وليتها تكون صدمة توقظ الجميع من غفوتهم وتبين لهم أخيراً، بعد أشهر طويلة من التردد والحسابات الخاطئة، أن الجميع مستهدف من دون استثناء، وأن الصراع السياسي تحت سقف الديمقراطية والمؤسسات الدستورية أرحم من كل الخيارات الأخرى.

ويستعد اتحاد الشغل لإضراب يشمل أكثر من 150 مؤسسة عمومية، الخميس المقبل (16 يونيو/حزيران الحالي)، وهي خطوة تصعيدية من الاتحاد، في ظل ما يقول إنه خلاف مع الحكومة حول خيارات اقتصادية واجتماعية.

ويردد مسؤولو الاتحاد أنّ الإضراب غير سياسي بالمرة، وأنه لو كان كذلك لأعلنوا عنه من دون تردد. لكن الحكومة والرئيس والمتابعون من حولهم يفهمون أنها خطوة سياسية أيضاً.

وقد تحاول الحكومة اللجوء إلى تفاوض في ربع الساعة الأخير. لكن ما الذي يمكن أن توفره في المفاوضات بخزائن فارغة وهي تقدم لصندوق النقد الدولي كل ما يرفضه الاتحاد على مدى تاريخه؟

مشكلة حسابات الساحة السياسية في تونس أنها لا تزال تعتقد أن باب التفاوض والمناورة وتحقيق بعض المكاسب ضد خصومها لا يزال مفتوحاً. صمم سياسي ليس بجديد على مشهد يكرر نفس أخطائه منذ سنوات، ويدمر بلداً جميلاً وتجربة حرية رائعة.

ولا يزال انقلاب تونس يثير حيرة مختصّين عديدين في التحولات الديمقراطية والظاهرة الانقلابية: كيف أمكن تفكيك تجربة الانتقال الديمقراطي بتلك البساطة، ومن دون أن تثير ردود أفعال جريئة وذات حجم يليق بنخبٍ طالما تغنّت بالاستثناء التونسي؟.

الأفضل حتى نعثر على مداخل إجابة ممكنة، أن نعود إلى فترة ما قبل الثورة، وتحديداً قبيل سقوط نظام بن علي.

ففي لحظة انكسار القوى المناهضة له، التي دافعت عن الديمقراطية أكثر من عقدين، وحينما خارت قواها تقريباً يائسةً من التغيير، حدثت الثورة خلافاً لكل السيناريوهات، فلا أحد توقعها، فلم تستعد النخب لهذه المرحلة، وغاب أي حوار أو تنسيق بينها.

بعد إخفاق سلسلة إضرابات الجوع التي خاضتها هيئة 18 أكتوبر التي جمعت، لأول مرة، الإسلاميين والعلمانيين واليسار، وبعد أقل من سنة من تجديد البيعة للرئيس بن علي في انتخابات 2009، اندلعت الثورة كالنار في الهشيم.

كانت “الخميرة” ناضجةً، لأسبابٍ تعود الى عقود بعيدة. ومع ذلك، لم تشهد تونس، على امتداد تلك السنة، أي تحرّك احتجاجي كبير.

ولعلنا نذكر احتجاجات مدينة بنقردان الحدودية، على خلفية غلق المعبر مع ليبيا، ومحاصرة تجارة الخط الحدودي التي كانت قد انتهت هناك.

وظلت أيضاً قبلها انتفاضة الحوض المنجمي محصورة في مجالها الترابي والاجتماعي، المتعلق بشركة الفوسفات هناك واستحقاقات المنطقة.

تكسّرت كل تلك الانتفاضات الاجتماعية، لأن المناخ السياسي لم يكن مواتياً للذهاب بها إلى أبعد مداها. تؤكد هذه التحرّكات غياب قضية سياسية وطنية عادلة (الديمقرطية)، يلتف حولها الجميع من نخب اجتماعية وسياسية واقتصادية.

لم تكن تلك التحرّكات قادرة على تعبئة الجميع واختراق انتماءاتهم الأفقية. حتى اندلعت الثورة، وحرّكت شارعاً غاضباً، من دون أن يكون لتلك النخب دور مباشر في توجيه تلك الثورة التي كانت بلا رؤوس (كما يقول آصف بيات)، فقط أفواه وحناجر تصدح برفض الحرمان، خصوصاً في أيامها الأولى.

على إثر رحيل النظام، لم تكن النخب السياسية مهيّأة لأن تتمثل الديمقراطية قيمة وثقافة وروحاً، وذهبت مباشرة إلى صناديق الاقتراع من دون حوار حقيقي، ومن دون إجماع على الحد الأدنى من هذه الديمقراطية.

تحولنا، بسرعة ضوئية، من نظام مغلق استبدادي إلى “ديمقراطية” مشاعة “ذليلة” لا أحد يقدّرها حقّ تقديرها. لم يستحضر المتصدّرون للمشهد قيمة الثورة التي أهدت إليهم ديمقراطية مبخوسة، إلى حدّ أن الناس نقموا على “ثورة صاحب العربة”.

يتحرّج بعض التونسيين من أن تكون ثورتهم قد فجّرها شاب محدود الكفاءات والمواهب. طُمسَت سرديات أخرى مشرقة عن شباب عاطل من العمل، انتصر للثورة واستشهد من أجل أحلامها.

بدأت آلة الدولة العميقة والنظام القديم في ترذيل الجميع: شهداء ومناضلين حقوقيين وحاكمين وغيرهم، حتى كادت السياسة أن تكون وحشاً خرافياً يلتهم كل شيء.

كانت الحالة السياسية التي سبقت الثورة متخلفةً عن اللحظة الاجتماعية، كما يقول الماركسيون. والنتيجة أن الفرقاء دخلوا من دون أدنى تنسيق أو تخطيط.

لقد رحّلوا خلافاتهم وخصوماتهم إلى ما بعد سقوط النظام، وظلوا يتحيّنون الفرصة، سواء من حكم منهم أو من عارض للإيقاع بخصمه، وضمن منطق الغلبة. كان الفوز الانتخابي يُعاش وفق هذه الثقافة. شعر بعضُهم بأن ثمّة إذلالاً ديمقرطياً يتوسع لينال من الجميع.

ومرّت العشرية والفرقاء يتنازعون، ولم يتركوا خطّاً أحمر إلا تجاوزوه: استباح بعضهم أعراض بعض، واستعملوا كل الأسلحة التي تخطر على البال: الإعلام والمال وسكاكين الليل الدفين.

السردية الرائجة حالياً مسطّحة وهزيلة، حين تبرّر للانقلاب بكل تلك الصور المشيطنة للسياسيين، مستغلةً ما حدث في أروقة البرلمان أو خارجه أحياناً من مشاحنات بأنها ترذيل مقصود، غير أن المرء لا يمكن مطلقاً أن ينكر حالة العبث المنفر التي كانت سائدة بين الفرقاء. يشعر المرء أحياناً بأن لا شيء يجمع هؤلاء، لا الديمقراطية ولا الوطن معاً.

جرت كل هذه الخصومات والصراعات بين السياسيين والفئات الواسعة التي ناصرت الديمقراطية مبكّراً، أملاً في تغيير واقعها الاجتماعي والاقتصادي، ترى نفسها مطرودة من الانتقال الديمقراطي وغير مرحّب بها. كان يمكن الرخاء الاقتصادي أن يعزّز أنصار الديمقراطية، غير أن ذلك لم يقع مطلقاً.

نسب العزوف المرتفعة التي سجّلت، من انتخابات إلى أخرى، أوجدت جيشاً من أغلبية صامتة عاجزة عن الدفاع عن الديمقراطية، بل غير معنية بها أصلاً، شأن لا يعنيها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق