رئيسيسياسي

فشل مسبق يحاصر الانتخابات التونسية المقبلة قبل إجرائها

يبرز مراقبون أن الفشل المسبق يحاصر الانتخابات التونسية المقبلة قبل إجرائها بعد قرار رئيس الجمهورية قيس سعيد الأخير بتجريد هيئة الانتخابات من استقلالها عن السلطة التنفيذية.

وبحسب المراقبين فإن من مفارقات السياسة في تونس المعاصرة أن يتضمّن العدد نفسه من الجريدة الرسمية للبلاد التونسية (الرائد الرسمي)، الصادر يوم 22 أبريل/ نيسان 2022، قرارات الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات المتعلّقة بالتصريح بالنتائج النهائية للانتخابات البلدية الجزئية في عدد من الدوائر في ولايات مختلفة من الجمهورية التونسية.

وكذلك المرسوم الرئاسي عدد 22 لسنة 2022 الذي يعلن عن وفاة تلك الهيئة، واستبدالها بهيئة أخرى مستنسخة، ليس لها من نظيرتها الأولى سوى الاسم، يحدّد تركيبتها قيس سعيّد، ويعين أعضاءها ويسمّي رئيسها ويمنحه امتيازات وزير.

لم يشرح سعيد الأسباب والحجج والبراهين التي دفعته إلى حلّ هيئة منتخبة من مجلس نواب الشعب، طبقا لما جاء في القانون الأساسي عدد 23 لسنة 2012 المتعلق بالهيئة العليا المستقلة للانتخابات.

وما ورد في الفصل عدد 126 من الباب السادس من الدستور التونسي لسنة 2014 الذي يؤّمن تلك الهيئة على “إدارة الانتخابات والاستفتاء وتنظيمها، والإشراف عليها في جميع مراحلها، وتضمن سلامة المسار الانتخابي ونزاهته وشفافيته”، و”تتركّب من تسعة أعضاء”، في خرق لما جاء في الفصل عدد 5 جديد من المرسوم الرئاسي الذي يحدّد أعضاء الهيئة بسبعة أفراد.

رأى المشتغلون بالشأن العام الانتخابي أن قرار الرئيس سعيّد تجريد هيئة الانتخابات من استقلالها عن السلطة التنفيذية، وإدخالها بيت الطاعة الرئاسية يمثّل نكران جميل من الرئيس نفسه.

فتلك الهيئة هي التي أشرفت على الانتخابات الرئاسية لسنة 2019 التي فاز فيها سعيّد في دورة أولى بـ 18.40%، وهي من أمّن له فوزه النهائي في الدورة الثانية 72.71%، وهو المرشّح المستقل الذي لا يملك مكنة انتخابية ورقابية للوضع الانتخابي وانحرافاته المحتملة.

ما يجعل دوافع سعيد في التخلص من تلك الهيئة وشكوكه في نزاهتها وحرفيّتها مجرّد أسباب واهية لا صحّة ولا مصداقية لها، إلا أن يكون الرئيس يرغب في الهيمنة على الجهاز الانتخابي وإعادة إنتاج التجربة الانتخابية التي تؤمّن فوزه في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وفوز أنصاره في الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها يوم 17 ديسمبر/ كانون الأول من هذه السنة.

وذلك على قاعدة نظام انتخابي يوضع على مقاسهم، بالطريقة نفسها التي كانت تجري فيها الانتخابات في زمني الرئيسين السابقين، الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، فقد كانت نتائجها معلومة لدى دوائر الحكم والنفوذ قبل تنظيمها.

ولو كانت الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات تخضع للوصاية السياسية أو يقع التحكّم فيها من بعض الأحزاب، كما يدّعي أنصار الرئيس ومريدوه، لكانت أمنت نصر مرشّح حزب حركة النهضة، عبد الفتاح مورو، الفائز الأول في الانتخابات التشريعية التي جرت بالتوازي مع الانتخابات الرئاسية سنة 2019.

أو ساعدت على فوز مرشحّ حزب قلب تونس، نبيل القروي، الذي فاز بالمرتبة الثانية، أو وفّرت أسباب نجاح رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد، أو وزير الدفاع الأسبق، عبد الكريم الزبيدي، المدعومين من أحزاب منبثقة عن حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحلّ ولوبياته المالية وأذرعه الإعلامية ودولته العميقة.

ذلك أن نتائج الانتخابات كانت خاضعةً لرقابة شعبية مباشرة ودقيقة، عن طريق المراقبين والملاحظين الذين يرافقون العملية الانتخابية، انطلاقا من مكاتبها المحلية وصولا إلى هياكلها المركزية.

الأمر الذي لا يسمح بتزوير محتويات الصناديق، كما كان الشأن زمن دولة الاستبداد، إلا إذا كانت التأثيرات الجانبية المالية والدينية غير القانونية خارج مراكز الاقتراع ومكاتب التصويت التي لا تتحكّم فيها هيئة الانتخابات تمثل نوعا من التزوير.

وتعكس الفسيفساء السياسية والحزبية، التي لا تتسع هذه المقالة لاستعراضها لكثرتها، وزيّنت المجلس الوطني التأسيسي ومجلس النواب الذي أفرزته انتخابات 2014 ونظيره لسنة 2019 والمجالس البلدية المنبثقة عن انتخابات 2018، شفافية الانتخابات التونسية المتواترة ونزاهتها بإقرارٍ من جمعيات المجتمع المدني والمنظمات الدولية المتابعة لها وفق ما جاء في تقارير كثير من تلك الجمعيات والمنظمات.

أما الأحزاب السياسية فقد عبّرت عن قبولها تلك النتائج والتحاق الفائزين من قوائمها في المجالس التشريعية والبلدية بعد استيفاء الطعون والتقاضي.

ولا أحد يستطيع أن ينكر اليوم حقائق التاريخ التي صنعتها الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات، بأن مكّنت كل ألوان الطيف السياسي من أقصى اليمين (السلفيون) إلى أقصى اليسار (التروتسكيون) وما بينهما من تشكيلاتٍ سياسيةٍ من حقهم في المشاركة والترشّح والفوز وفق تمثيليتهم الشعبية وانضباطهم القانوني.

وجعلت من اليساري الماركسي والقومي العربي والمنتمي إلى الإسلام السياسي والدستوري والليبرالي والحقوقي والنقابي، رغم اختلافاتهم السياسية والحزبية وعداواتهم الأيديولوجية ومعاركهم التاريخية، يجلسون جنبا إلى جنب في المجالس التشريعية والنيابية 2011-2021، والبلدية 2018، ويحوّلون خلافاتهم “الدموية” إلى صراعات سياسية سلمية.

وذلك على قاعدة ومبدأ التداول السلمي على السلطة الذي أقّرته نصوص البرلمان غير المنتخب، المعروف بالهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي لسنة 2011، والدستور التونسي لسنة 2014.

ومن مزايا هيئة الانتخابات التونسية أن يترأسها يساري مثل كمال الجندوبي ويعلن من أعلى منبرها سنة 2011 فوز الإسلاميين بأغلبية مقاعد المجلس الوطني التأسيسي وهم خصومه الأيديولوجيون وأعداؤه التاريخيون، أو يقودها حقوقي مثل شفيق صرصار، ويعلن سنة 2014 فوز الباجي قائد السبسي وحزبه نداء تونس، سليل الحزب الدستوري الذي انتهك الحقوق والحريات إبّان حكم الدستوريين 1956-2011.

لم يعد هناك شكّ في أن ما تعرّضت له هيئة الانتخابات في تونس من ترذيل وشيطنة هو من مقدّمات الاستيلاء عليها من رئيس الجمهورية، بعد أن استولى على السلطات كافة.

وبعد أن علّق العمل بالدستور وحلّ المؤسسات الدستورية، وأعاد إنتاج بعضها على هواه (المجلس الأعلى للقضاء والهيئة العليا المستقلّة للانتخابات) في انتظار المتبقي منها (مجلس النواب والمحكمة الدستورية وهيئة مكافحة الفساد والمجالس المحلية)، من دون السماح بالطعن في قراراته ومراسيمه وتعقيبها.

وعليه فإن لا أحد سيثق بعد اليوم في الانتخابات التونسية التي كانت، إلى وقت قريب، من أيقونات الانتخابات في العالم، وسيكون تعيين وزير لدى رئيس الجمهورية على رأس هيئة الانتخابات مدخلا إلى مرحلة صعبة وغامضة من التاريخ السياسي التونسي.

وسيحتاج التونسيون إلى وقت طويل لإزالة آثارها السلبية على حياتهم وحياة أبنائهم، بعد أن تكون قد انعكست سلبا على مجالات الحياة كافة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق