الثورة المضادةرئيسي

تونس تتصدر موجة الانكسار الديمقراطي في الدول العربية

يجمع مراقبون على أن تونس باتت تتصدر موجة الانكسار الديمقراطي العربي بعد أن كانت البلاد مهد ثورات الربيع العربي عام 2011 وأكثر التجارب نجاحا في تحقيق التطلعات الشعبية للانتقال إلى نظام ديمقراطي.

ويختلف واقع الحال في تونس عن باقي الدول العربية، فتجربتها الديمقراطية الوليدة بدت مبشرة في مناخ إقليمي غير موات للديمقراطية.

لكن هذه التجربة انتهت بشخصية مغمورة هو رئيس الجمهورية الحالي قيس سعيد على رأس الحكم، تريد تدمير المنظومة السياسية والحزبية والدستورية القائمة منذ عام 2011.

نحن هنا أما حالة حدية، لا تجري بناء على التراكمات السابقة، وفق ديالكتيك التاريخ، الذي يبعد النقاط السلبية ويعزز الإيجابية في مسار طويل، يصل إلى عتبة الاستقرار السياسي.

لقد كشفت التجربة التونسية عن مأزق الأحزاب، لجهة تعنتها الأيديولوجي، ولجهة رغبتها في الحكم مهما كلف الأمر، فنشأت صفقات وصفقات حزبية مضادة، لا تأخذ في الاعتبار المشروع الديمقراطي في عمقه.

ستكون تونس في هذا العام والعام المقبل على موعد مع اختبار حقيقي لتجربتها الديمقراطية، فإما أن ينتهي الأمر بحالة مشابهة لمصر، وهو أمر مستبعد، وإما أن تدفع تجربة سعيد (بما تشكله من انتكاسة مباشرة للديمقراطية) إلى حصول هزة كبرى تعيد ترسيم التجربة التونسية وفق أسس مغايرة عن السابق.

وأبرزت دراسة تحليلية تناقض مشروع قيس سعيد القائم على التفرد وتكريس الاستبداد مع إرادة الشعب التونسي.

وحملت الدراسة التي أعدها إيريك غوب الباحث في المركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا عنوان (تونس قيس سعيّد أو سياسة التناقض).

وبحسب الدراسة ينتظر استكمال تغيير النظام السياسي الذي ينشده الرئيس التونسي قيس سعيّد بانتخابات تُجرى في نهاية العام الحالي.

لكن هذه الرغبة في التغيير السياسي التي تم تصوّرها وفرضها من الأعلى، والتي لا تحدّ من القدرة الكلية للرئيس، تتعارض مع الخطاب الرسمي الذي يدّعي أنه ينصاع لإرادة الشعب.

وانتهت المرحلة الأولى من الرزنامة السياسية لقيس سعيّد، وعرفت الاستشارة الشعبية عبر الإنترنت نجاحاً متواضعاً جداً: بالكاد شارك 500 ألف شخص. مع ذلك، على الرغم من ضعف ملاءمة الأسئلة المطروحة، يؤكد الرئيس على أنه يعتمد عليها لتحديد المراحل المقبلة من التغيير السياسي الذي يريد تأسيسه.

أظهر قيس سعيّد، منذ توليه رئاسة الجمهورية، عزمه على فرض رؤيته للنظام الدستوري والسياسي، على الرغم من وجود خصوم سياسيين مصمّمين على تهميشه.

وقد اغتنم حالة التدهور الحاد للوضع الاقتصادي والاجتماعي في تونس، ليعلن حالة الاستثناء في 25 يوليو/ تموز 2021، باسم الإرادة الشعبية والشرعية العليا للثورة التونسية التي يدعي تجسيدها.

ومنذ ذلك الحين وهو يعمل مدعياً أنه “يعرف ويريد ما يريده الشعب”، كما ينص شعار حملته للانتخابات الرئاسية لعام 2019، على تفكيك ممنهج للمؤسسات الديمقراطية التمثيلية التي أقامها دستور 2014.

صحيح أن قيس سعيّد لم يُخفِ مطلقاً أن ممارسة الشعب للسلطة تعني بالنسبة له التخلص من النظام البرلماني، ومن “النخب الفاسدة”، وأيضاً من الهيئات الوسيطة (خصوصاً الأحزاب السياسية) التي تختطف الإرادة الشعبية.

وبهذا المعنى، يُعدّ رئيس الجمهورية زعيماً شعبوياً يسعى “كخادم وصوت للشعب”، إلى إزالة النزاعات في المجال السياسي الوطني ببناء وحدة أسطورية للشعب التونسي عبر “إقصاء أعدائه”.

وبعدما صار مقتنعاً الآن بأن يده أصبحت طليقة، بدأ في تطبيق بعض عناصر برنامجه السياسي المتمثل في “البناء من القاعدة” الذي يُفترض أنه يمنح الشعب أدوات إرادته.

غير أن هذا المشروع السياسي لا يخلو من التناقضات، أو بالأحرى يعود إلى ما يسميه الفيلسوف برتراند میهوست بـ”سياسة التناقض اللفظي”.

وبالفعل يدعي مشروعه منح السلطة للشعب في حين أنه يؤسس نظاماً سياسياً رئاسياً يركز السلطة بين يدي رئيس جمهورية منتخب بالاقتراع العام.

يقترح رئيس الجمهورية الذي يرغب في “منح الشعب أدوات” تسمح له بتنفيذ إرادته، بناء آلية مؤسساتية يتم من خلالها إنشاء (ما يعادل الدائرة أو القائمقامية) مجالس محلية في كل معتمدية يُنتخب أعضاؤها، بعدما يتم تكليفهم في البداية من قبل عدد متساوٍ من الناخبات والناخبين، بالاقتراع بالأغلبية الفردية مع تفويض قابل للإلغاء.

تخص إمكانية إلغاء التفويض مندوبي القاعدة فقط وليس رئيس الجمهورية الذي يحظى، كونه منتخباً على المستوى الوطني، بشرعية إضافية مقارنة بالممثلين المنتخبين محلياً.

وهكذا تتكفل هذه المجالس المحلية بتحضير، من خلال ورشات عمل، مشروع مخطط تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية.

ويتم في المستوى الثاني إنشاء مجالس جهوية تتشكل من مديري الإدارات الجهوية (من دون حق التصويت) ومن عضو واحد يتم اختياره بالقرعة من كل المجالس المحلية.

وسيُكلّف هؤلاء على مستوى الولاية بتلخيص المشاريع التي تمت صياغتها محلياً. وفي الأخير، يتم على المستوى الثالث اختيار ممثل عن طريق القرعة من كل مجلس محلي ليصبح عضواً في المجلس التشريعي الوطني.

يتمثل دور أعضاء “البرلمان” في التلخيص والمصادقة على التشريعات التي تسمح للمجالس الجهوية والمحلية بتنفيذ برامجها التنموية.

وبهذه الصياغة، ينتظم هذا المشروع السياسي ــ المؤسساتي حول لامركزية السلطة التشريعية فقط، ولا تملك المؤسسات المحلية، التي يُفترض بأنها قنوات للتعبير عن الإرادة الشعبية، هيئات تنفيذية لإنجاز برنامجها.

وبما أن السلطة التنفيذية هي وحدها التي تملك البيانات والإحصائيات العامة، والقادرة على تقييم الأولويات التي يجب تأكيدها في سير الدولة، فإن مثل هذا البناء يؤدي إلى منح السلطة الفعلية إلى الهيئات التنفيذية المحلية والجهوية من جهة، وإلى السلطة التنفيذية الوطنية من جهة أخرى.

وبالتالي يؤدي البناء من القاعدة إلى تحييد المجال السياسي الوطني، من خلال حصر السياسة في الشؤون المحلية وإنكار وجود مصالح ومشاريع وطنية اقتصادية واجتماعية متنافسة.

وفي النهاية، تتمثل إحدى مفارقات هذا المشروع الذي يطالب بـ”صفحة بيضاء” ثورية وبـ”نهج جديد” (وهي فكرة متكررة في خطابات قيس سعيّد ومادحيه) للسياسة المؤسساتية في كونه “يستند إلى التقسيمات السياسية ــ الإدارية الإقليمية التي تم وضعها في ظل النظام القديم”.

كما أن هذا المشروع لا يتساءل كثيراً عما يمكن أن يكون عليه “مشروع متماسك لديمقراطية تريد أن تكون من القاعدة”.

وبالنظر إلى الاهتمام الذي يوليه قيس سعيّد للدستور الرئاسي البائد لعام 1959، فإن البناء من القاعدة تتم موازنته في مشروع النص الدستوري المستقبلي بتركيز السلطة التنفيذية في يد رئيس الجمهورية: من المحتمل أن تكون له صلاحية تعيين وإقالة الحكومة، وأيضاً رئيس وزرائها، وأن يرأس مجلس الوزراء وأن يحدد السياسة العامة للسلطة التنفيذية.

وبالتالي، فإن “قلب هرم السلطات” الذي يفترضه البناء من القاعدة يؤدي، وتلك مفارقة، إلى إقامة نظام سياسي هرمي ورئاسي بقيادة قيس سعيّد.

على الصعيد الاقتصادي، تتيح المراسيم التشريعية الصادرة في 20 مارس/ آذار 2022 المتعلقة بالصلح الجزائي والمؤسسات الأهلية فهم جوهر رؤية سعيّد للاقتصاد السياسي للبناء من القاعدة.

تربط النصوص التي تم تحضيرها ما يسميه سعيّد “الصلح الجزائي” بإنشاء شركات “أهلية” على مستوى المعتمديات.

والهدف المعلن للمرسوم التشريعي المؤرخ في 20 مارس 2022 المتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته هو منح العفو لرجال الأعمال المتورطين في الاختلاسات المالية قصد “استرجاع الأموال المنهوبة من الدولة والجماعات المحلية والمنشآت والمؤسسات”، ثم استثمارها في التنمية المحلية والجهوية.

ويتم فحص ملفات الأشخاص الاعتباريين والخاصين المتورطين في قضايا الفساد من قبل كيان جديد: “اللجنة الوطنية للصلح الجزائي” التي تحدد المبالغ المالية الواجب دفعها من طرف “الفاسدين” الذين يطلبون الاستفادة من العفو.

وكونها انبثاقاً للنظام الرئاسي “السعيّدي”، تم وضع هذا الكيان تحت الإشراف المباشر لرئيس الدولة الذي يتمتع بالحق في تعيين وتنحية أعضائها.

وستموّل الأموال التي يتم جمعها المشاريع التنموية حسب “خصوصيات المناطق واحتياجات السكان وكذلك بناء على الأولويات الوطنية والمحلية”.

وسيتم تخصيص 80 في المائة من هذه الأموال للمعتمديات المستفيدة من مشاريع التنمية والتي صُنّفت مسبقاً حسب مستوى فقرها. ويتم تخصيص نسبة الـ20 في المائة المتبقية للجماعات المحلية، كي توظف كمُساهمة رأسمالية في الشركات “الأهلية” وفي الشركات الاستثمارية والتجارية.

ولا يشير الترتيب المؤسساتي الذي تم تصميمه على هذا النحو إلى ديمقراطية اقتصادية أفقية، بل يدخل ضمن منطق الرقابة الإدارية الرأسية الكلاسيكية التي تديرها الإدارات الوطنية والجهوية.

وبالفعل، فإن المشاريع التنموية التي يتم تصميمها وتنفيذها في إطار الصلح الجزائي ستتحكم فيها “لجنة متابعة تنفيذ اتفاقيات الصلح وإنجاز المشاريع بالجهات” يتم إنشاؤها في وزارة الاقتصاد، وأيضاً من طرف “لجنة جهوية لمتابعة وتنسيق المشاريع” يتم استحداثها على مستوى كل ولاية.

وتتولى اللجنة الأولى، المكلفة بجمع وتحليل مقترحات المشاريع المقدمة من سكان الجهات، وضع القائمة النهائية للمشاريع المعتمدة.

وإتماماً لهذا النص، أصدر رئيس الجمهورية مرسوماً تشريعياً آخر يتعلق بالشركات “الأهلية”. ومن المرجح أن تستفيد هذه الأخيرة من جزء من الأموال الناتجة عن المصالحة من خلال مساهمة الجماعات المحلية في رأسمالها.

لذلك فإن هدف هذه الشركات هو المساهمة في “تحقيق التنمية الجهوية وأساساً بالمعتمديات وفقاً للإرادة الجماعية للأهالي وتماشياً مع حاجيات مناطقهم وخصوصياتها”.

وبغضّ النظر عما وراء الشعار الذي ينص على أن هذه الشركات توضع في خدمة العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات، فإن تثمينها من خلال هذا المرسوم التشريعي للتضامن المحلي لصالح التنمية، يتناقض أيضاً مع مركزة الدولة وأبوية رئيس الجمهورية.

صحيح أن هذا النص يبدو مستوحى من شعارات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، لكنه يفتقر إلى عنصر أساسي: الاستقلالية عن السلطة السياسية ــ الإدارية.

في الواقع، توضع شركات الأهالي المحلية تحت إشراف الوالي الذي يجب أن ترسل له “ميزانيتها التقديرية” و”قوائمها المالية” وغيره.

أما بالنسبة لشركات الأهالي الجهوية، فعليها أن تعرض على الوزير المكلف بالاقتصاد قصد المصادقة كلاً من القانون الإطار والهيكل التنظيمي والقانون الأساسي للأعوان ونظام التأجير.

ويتعيّن عليها أن توفر له أيضاً “قصد الإعلام والإذن الميزانيات التقديرية ومحاضر الجلسات العامة ومحاضر جلسات مجلس الإدارة، والقوائم المالية وتقارير مراقبة الحسابات”.

وفضلاً عن مسألة جدوى هذا الهيكل المؤسساتي، فإن مشروع البناء من القاعدة، إن طُبّق يوماً، من شأنه خلق توترات بين هياكل محلية فاقدة لأي استقلالية، ورئيس الجمهورية هو المركز الأوحد لصنع القرار الذي يدعي منح السلطة للشعب.

ويُضاف إلى التناقض المؤسساتي تناقضان لا يمكن حلهما يرجعان إلى الطريقة التي يتموضع فيها رئيس الدولة بخصوص القضايا الاقتصادية والاجتماعية. في المقام الأول، يتناقض خطاب قيس سعيّد “السيادي” مع السياسة الاقتصادية التي تنتهجها حكومته.

فالمزايدات اللفظية لرئيس الجمهورية، الذي هاجم وكالات التصنيف الدولية، بخصوص سيادة تونس، وأيضاً حديثه عن ضرورة إقامة علاقة متساوية مع المانحين، بعيدة كل البعد عن نهج حكومته المتمثل في التفاوض على قرض جديد مع صندوق النقد الدولي. بل تم تصميم ميزانية 2022 لتستبق “الإصلاحات” التي يوصي بها صندوق النقد الدولي.

وبشكل عام، يتعلق الأمر بالنسبة للدولة التونسية بالخضوع إلى دفتر أعباء يتضمن تخفيض كتلة الأجور في القطاع العام، ورفع الدعم عن المحروقات والمواد الضرورية الأساسية، وتخفيف العبء الضريبي على الشركات الخاصة، وأيضاً إعادة هيكلة وخصخصة الشركات العمومية.

وهكذا، فإن الإجراءات الحكومية المعلنة غير مواكبة كلياً للخطاب الرئاسي، الذي يدعو إلى استبدال الناتج المحلي الإجمالي بالاكتفاء المحلي وإلى التحرر من المانحين الدوليين. وخطة الإصلاحات الاقتصادية هذه حبلى بنزاعات اجتماعية في المستقبل القريب.

وفي المقام الثاني، لا يمكن أن توفر مقاربته المؤسساتية في حد ذاتها جواباً لمشاكل تونس الاقتصادية والاجتماعية.

في حين أن فكر قيس سعيّد وممارسته يتمثلان في اختزال الأزمة التونسية في نظامها السياسي.

وفي هذا الصدد، فإن خطابه في 13 ديسمبر/ كانون الأول 2021، الذي ألقاه بهدف تقديم خريطة الطريق للعام 2022، يعيد إنتاج المقاربة السياسية المؤسساتية المهيكلة للقاموس السياسي للعقد السابق.

واقتناعاً منه بأن “مشكلة تونس اليوم مشكلة دستورية”، اكتفى رئيس الدولة بوضع رزنامة سياسية تتطابق مع التواريخ الرمزية للتاريخ التونسي: في يوم 25 يوليو 2022، ذكرى قيام الجمهورية، سيتم تنظيم استفتاء حول الإصلاحات الدستورية، وسيتم في 17 ديسمبر المقبل، تاريخ الذكرى الجديد للثورة، إجراء الانتخابات التشريعية المبكرة.

صحيح أن المعجم القانوني والسياسي للرئيس بعيد تماماً عن قاموس الديمقراطية التمثيلية ودولة القانون الذي هيمن على سردية “التحول الديمقراطي”، لكنه قد يواجه العجز نفسه الذي كان من نصيب أسلافه في الاستجابة لمطالب الاعتراف التي ترفعها الفئات المحرومة والتي جعل من نفسه بطلها. وهكذا ينسب قيس سعيّد إلى الترتيبات المؤسساتية أداءً لا تمتلكه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق