رئيسيسياسي

قيس سعيد يوظف القضاء في تونس لأغراض سياسية

يجمع مراقبون على أن رئيس الجمهورية قيس سعيد يتعمد توظيف القضاء في تونس لأغراض سياسية وتصفية الحسابات مع خصومه فضلا عن فرض أجنداته الشخصية.

ويحذر المراقبون من مخاطر سطوة التوظيف السياسي للقضاء وتعرضه لهيمنة السلطة التنفيذية، وهو ما يحمل تداعيات خطيرة على سيرورة العدالة داخل الاجتماع التونسي.

ويلاحظ أن القضاء في تونس حظي في المرحلة الانتقالية لما بعد ثورة الياسمين عام 2011، بفترة تحرر إلى حدّ معتبر، من ضغوط السلطة التنفيذية، لكنّه ظلّ محلّ تجاذب سياسي بين الأحزاب الحاكمة والأحزاب المعارضة، وكلٌّ يتّهم الآخر بمحاولة اختراق القطاع وتوظيفه لصالحه.

لذلك رفع القضاة في تمام الحرّية شعار “لا للتدخّل السياسي في القضاء”. كما حامت حول بعض القضاة شبهات فساد وسوء استغلال نفوذ. وظلّ القضاء يعاني البيروقراطية، ومحدودية الرقمنة، وبطء إصدار الأحكام.

لكنّ الثابت أنّ الدستور التونسي الجديد (2014) أعلى من قيمة القضاء، وأكّد على استقلاليته. وجاء في الفصل 102 منه أنّ “القضاء سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل، وعلوية الدستور، وسيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات، وأن القاضي مستقلٌّ لا سلطان عليه في قضائه لغير القانون”.

وغدا المجلس الأعلى للقضاء هيئة دستورية، موسّعة، تضمّ 45 عضوا، يمثلون ثلاثة فروع قضائية (عدلي، مالي، إداري)، لا تخضع لسطوة رئيس الجمهورية.

بل أغلب أعضائها منتخَبون، وتضمن في نطاق صلاحياتها حسن سير القضاء واستقلاله طبق أحكام الدستور والمعاهدات الدولية. ومثّل المجلس سلطة وازنة، مضاهية للسلطة التشريعية والتنفيذية.

وفي مرحلة التدابير الاستثنائية التي أعلنها سعيّد تزايدت مؤشّرات توظيف القضاء لأغراض سياسية، ففي أوّل كلمة متلفزة له، في زمن حكم الاستثناء، نصّب سعيّد نفسه نائبا عامّا، وفي ذلك محو للحدود الفاصلة بين مؤسّستي الرئاسة والقضاء.

كما اعتبر الرئيس القضاء “قضاء الدولة ووظيفة من وظائفها”، ودعا إلى تطهير القطاع، ولمّح إلى إمكانية تعليق دستور 2014، وإمكانية حل المجلس الأعلى للقضاء، وإعادة صياغة المجلس بواسطة مراسيم (10 ديسمبر/ كانون الأول 2021).

وأعلنت وزيرة العدل، ليلى جفال، في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، إعداد مشروع قانون يتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء. وأخبرت تلك التصريحات بإمكان عودة القضاء تحت جبّة السلطة التنفيذية.

وهو ما أثار حفيظة قضاة وحقوقيين. وعدّوا ذلك تهديدا داهما لاستقلالية القضاء. كما تواترت في زمن الاستثناء إحالة مدنيين على القضاء العسكري، وتمّت محاكمة مدوّنين، وإعلاميين، ونوّاب على خلفية معارضتهم النظام القائم واعتبارهم ما حصل يوم 25/7/2021 انقلابا على الدستور.

وفي السياق نفسه، بدا لافتا للنظر تسرّع الجهاز القضائي في إصدار أحكام بشأن قضايا ذات خلفية سياسية، وتحمل عناوين جنائية.

ومثال ذلك اتهام رئيس الجمهورية السابق، منصف المرزوقي، بالاعتداء على أمن الدولة الخارجي، وربط اتصالاتٍ مع أعوان دولة أجنبية، الغرض منها الإضرار بالمصالح الدبلوماسية لتونس.

وذلك بسبب اعتباره تدابير قيس سعيّد غير مشروعة، بل انقلابا على الديمقراطية، ومناهضته إقامة القمة الفرنكفونية في تونس في ظلّ حكم استثنائي.

والتهمة الموجهة للمرزوقي جنائية، خطيرة، تقتضي شهورا للتحقيق، والتدقيق، وتجميع أدلّة الإدانة، واستنطاق المدّعى عليه.

لكنّ ما حصل أنّ إصدار بطاقة جلب دولية في شأن المرزوقي تمّ في وقت قياسي، وإصدار حكم بسجنه أربع سنوات تمّ في ظرف وجيز.

ودلّ ذلك في نظر حقوقيين على إهدار شروط التحقيق المتأنّي، والمحاكمة العادلة، وعلى عودة نهج توظيف القضاء لتصفية حساباتٍ مع خصوم سياسيين. وهو ما يضرّ باستقلالية القضاء من ناحية، ويبعث رسائل غير مطمئنة للرأي العام الوطني والدولي.

ويجمع المراقبون والحقوقيون على الحاجة أكيدة إلى تحرير القضاء التونسي من سطوة السياسة والأدلجة، وهيمنة السلطة التنفيذية، وقوى الموالاة، والمحاباة والمحسوبية.

وذلك ممكنٌ من خلال إشراك أهل القطاع ومكوّنات المجتمع المدني في بلورة تصوّر إصلاحي شامل للمنظومة القضائية، يكون خارج التدابير الاستثنائية كون أنّ القضاء النزيه ضامنٌ لاحترام حقوق الإنسان، ودعامة أساسية لمشروع الدمقرطة وبناء الدولة التقدّمية/ العادلة لا محالة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق