أخبار تونسرئيسي

قيس سعيد يكرس عجزه على حل أزمات تونس

بعد مرور أربعة أشهر على إجراءاته، بدا واضحا أن ما قام به الرئيس التونسي قيس سعيّد، لم يوقف تيار الأزمات أو يعالجها بل كرس عجزه على حل أزمات تونس.

وأشار الناشط السياسي محمد أحمد القابسي إلى أنه كان مؤملا أن يقدّم سعيد خريطة طريق وعد بها، قال إنها ستوقف النزف المتدفق للأزمات متعدّدة الأبعاد التي تردّت فيها البلاد، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

وأمام توقعات التونسيين وانتظاراتهم، يواصل الرئيس ممارسة خطابه الغامض والمعمّم، متوخيا “شعبويته” التي تجاوزت حدودها، لتصبح حالة مكشوفة وممجوجة، وويرفضها من كانوا معه، ناهيك عن الرافضين ما اعتبر انقلابا على الدستور والشرعية.

واليوم تبدو تونس سفينة تائهة من دون ربّان يقودها، ومن دون بوصلةٍ ترسم إبحارها، لتتوالى المؤشّرات على بداية تغير المزاج العام للتونسيين، خصوصا وقد تبيّن لهم “عجز الرئيس” عن إدارة الشأن العام والسهر على شؤون البلاد الآخذة في الانزلاق نحو التدهور، وإرباك كيان الدولة ومؤسساتها.

لم يعد خافيا أن البلاد باتت اليوم على صفيحٍ ساخنٍ أمام تصاعد نسق الاحتجاجات والاعتصامات. وتفيد المؤشرات بأن القادم سيكون أصعب أمام عجز الرئيس عن تقديم الحلول التي وعد بها، وإصراره على رفض الحوار، والاكتفاء بإلقاء دروس في المجالس الوزارية لحكومة بكماء.

ووفق المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، شهدت وتيرة الاحتجاجات والتحركات الاجتماعية ارتفاعا لم تعرفه سابقا، فقد تم تسجيل 800 تحرك خلال شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وأكثر من ألف تحرك احتجاجي خلال شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري.

وتعود الأسباب أساسا إلى العجز السياسي في التعامل مع الحراك الاجتماعي وغياب التواصل والحوار بين السلطة والفاعلين فيها في المركز والأطراف والمواطنين، وخصوصا فئة الشباب منهم الذين يمثلون 48% من مجموع السكان.

شباب ارتفعت نسبة بطالتهم خلال الثلاثي الثالث من العام الحالي 42.4 % لدى الذكور و41.7% لدى الإناث. ويواصل أصحب الشهادات العليا (والمقدّر عددهم بسبعين ألفا) والعاطلون منذ عشر سنوات اعتصامهم.

وقد أصدر البرلمان قانونا العام 2020 يتعلق بأحكام استثنائية لانتدابهم في القطاع العمومي، وقد تم نشره في الجريدة الرسمية، بعد أن صادق عليه سعيّد الذي رفض، قبل أيام، لدى استقباله وزيرة التجارة، فضيلة الرابحي، تفعيله، متسائلا “ألا يمكن أن نُحدث بقانون شركات أهلية تمكّن المواطن، وخاصة الشباب من خلق الثروة بأدوات جديدة”.

فيما اعتبر “تسويفا” شعبويا آخر نسف أحلام الشعب المعطل الموعود بالعمل، ما أجج نار الاحتجاجات والاعتصامات في أغلب المحافظات الداخلية، والتي تعاني أصلا من شحّ خطط التنمية وفرصها مقارنة بالمحافظات الساحلية خصوصا.

وبذلك أدار سعيّد ظهره للشعب المعطّل من الشباب الذين كانوا أول داعميه في استحقاق انتخابات 2019.

غضب المحتجين من الشباب المعطل في الجهات يتواصل ويشتدّ، وهو يراكم ويزامن احتجاجات أخرى، يتم تنفيذها لأسباب متنوعة ومختلفة، على غرار اعتصامات عمال شركة البيئة والغراسات والبستنة، وتواصل احتجاجات أزمة النفايات في محافظة صفاقس، وانتفاضة شباب “الكامور” في محافظة تطاوين، وانقطاع التزويد بأكثر من 500 صنف من الأدوية الاساسية.

وأمام هذا الوضع الاجتماعي المتفجّر، يبدو رئيس الجمهورية ومن خلفه الحكومة، غير مدركين خطورة هذا الوضع الذي يمكن عنونته بانفلات الأزمة من أروقة الرئاسة والحكومة وبالتالي الدولة الى التفاصيل اليومية والمعيشية للتونسيين.

وزادت الطين بلةً أزمةٌ ماليةٌ خانقة، لم يعد بمقدور الدولة الحد من تداعياتها أو تقليص آثارها وقد أقرّ سعيّد، 24 نوفمبر/ تشرين الثاني، في لقائه بوزيرة التجارة “أن خزينة الدولة تنقصها المليارات”.

وقد أخطأ سعيّد خطأ قاتلا “بجعله الملف السياسي سابقا للاقتصادي والمالي”.

ولا يستبعد اليوم أن يجد الرئيس الذي عزل نفسَه عن الأحزاب والمنظمات والحكماء من أهل الحكمة والخبرة أمام طوفانٍ من الغضب الشعبي الذي يمكن أن يتجاوز الفضاءات العامة ليشغل الشارع، خصوصا والبلاد تستعد لاستحضار الحراك الشعبي خلال شهر يناير/ كانون الثاني من كل سنة.

ومع تقدّم الوقت وتواتر الضغوط وتناسل العقبات واشتراطات الجهات الخارجية المانحة وإصرار سعيّد على المضي في الغموض والتهويمات السوريالية والعجز البين عن الحسم في الملفات العالقة، وبعد أن وضع كل السلطات بين يديه على أساس شعار “الشعب يريد” الذي رفعه عنوانا لحملته الانتخابية ومنطلقا لإجراءاته، بدأ يتهاوى أمام إكراهات الحكم ومتطلبات الواقع.

فاحتدام الاحتجاجات والعجز عن إيجاد الحلول لها خلال الأيام الماضية كشفت عن أن سعيّد وفريقه في أروقة الرئاسة ومقر الحكومة قد أمسكوا بالحكم ونشوته، من دون قدرة على تقديم حلول وتنفيذ وعود تخرج التونسيين من أزماتهم في ترحيل شعبوي لمسؤولية تقديم الحلول إلى زمن استكمال “البناء القاعدي الجديد!”.

لقد اصطدم سعيّد بخطابه المسوّق للمؤامرات التي تعطل مسار الدولة ومسار البناء القاعدي ليبرز رأس السؤال: هل قام سعيد بما قام به من أجل استمرار الدولة أم من أجل مشروعه الهلامي؟ وهل أن إجراءاته جاءت تناغما وانسجاما مع “ما أراده الشعب أم ما أراده قيس سعيّد”؟.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق