حرياترئيسي

خطاب قيس سعيد الإقصائي يقابل برفض واسع في تونس

يقابل الخطاب الإقصائي رئيس الجمهورية قيس سعيد برفض واسع في تونس في ظل الإجماع على التمسك بالحوار الوطني الشامل للخروج من الأزمة السياسية في البلاد.

ووجه الأمين العام لاتحاد الشغل نور الدين الطبّوبي تحذيرا صريحا للقيس سعيّد ليتوج إجماعا تونسيا حول رفض إقصاء جميع الأطراف الفاعلة من الحوار الوطني المقبل.

وكان قيس سعيد لمّح أخيرا إلى استبعاد الأحزاب السياسية من الحوار الوطني المقبل الذي قال إنه “سيشارك فيه الشباب في كامل التراب التونسي وسيكون مختلفاً تماماً عن التجارب السابقة”.

كما كلف وزارة الاتصال بإحداث منصات للتواصل الافتراضي في جميع المناطق لتمكين الشباب من المشاركة في “حوار وطني حقيقي عبر عرض مقترحاتهم وتصوراتهم في كافة المجالات”.

وعبّر نور الدين الطبّوبي عن رفضه لصيغة الحوار الوطني التي تحدث عنها الرئيس قيس سعيد، منتقدا محاولة تهميش دور الأحزاب الضروري لبناء أي ديمقراطية في العالم.

وقال الطبوبي إن الاتحاد يرفض “حوار اللجان الشعبية” (مصطلح روّج له القذافي وتبناه أنصار سعيّد) الذي دعا له الرئيس”، مضيفا “لا للمزايدة بخصوص الشباب (مشاركة الشباب في الحوار)، فالشباب موجود في اتحاد الشغل والمجتمع المدني”.

وتساءل الطبوبي بقوله “كيف سيكون الحوار ومع من؟”، مضيفا “الاتحاد لن يُقدم صكا على بياض. يجب توضيح المضامين والخيارات”.

وقال، مخاطبا الرئيس سعيد “لا يمكن لأي أحد أن يرسم مستقبل تونس ويُحدد الخيارات الوطنية بمفرده وخارج إطار منظمة الشغيلة”، لكنه أشار إلى أن الاتحاد “منفتح على جميع الأطراف وهو قوة خير واقتراح”.

لكنه نفى وجود صدام مع الرئيس سعيد “رغم وجود خلاف في بعض التوجهات”، داعيا سعيد إلى اعتماد الشفافية ومخاطبة الشعب ومصارحته وتوضيح المسار السياسي للبلاد، مشيرا إلى أن الاتحاد لا يعطي صكا على بياض لأي طرف سياسي في البلاد.

وكان الطبوبي وجه قبل أيام انتقادا مبطّنا للرئيس قيس سعيد، ودعاه لعدم التعامل مع الدولة كلعبة، كما انتقد للمرة الأولى التدابير الاستثنائية للرئيس سعيد، مشيرا إلى أن وعي الشعب هو من أنقذ البلاد من الفوضى عقب اتخاذ هذه التدابير التي عطلت المؤسسات في البلاد.

وكتب الوزير السابق عبد اللطيف المكي “كان الواقع السياسي قبل 25 جويلية فيه كثير من البؤس وتوفرت للسيد قيس سعيد عديد الفرص لمعالجة ذلك بهدوء وفي ظل الدستور وإعطاء الأولوية للوضع المالي والاقتصادي والاجتماعي ولكنه رفضها جميعا”.

وتابع “هذا دليل كاف على أنه لا يريد الحلول التشاركية التي هي روح الديمقراطية وبالتالي فإن السبب الحقيقي للانقلاب هو الاستفراد بالسلطة وتغيير النظام السياسي وفق رأيه الشخصي وبقي يتصيد الفرصة المناسبة لذلك فوفرتها له أطراف سياسية أصيبت بعمى البصيرة”.

وأضاف “غير صحيح أن الانقلاب كان لإنقاذ الدولة من الانهيار بل على العكس فقد وضعها في فوهة المخاطر التي سأعددها في مرة قادمة. لن تقبل تونس المتحضرة إرساء نظام شبيه بنظام اللجان الثورية كغطاء للاستبداد والاستفراد. على الديمقراطيين أن يدشنوا طورا جديدا من النضال لحماية تونس والديمقراطية”.

وكتب الخبير الدستوري صغيّر الزكراوي “يبدو أننا كتونسيين سنصبح أضحوكة العالم من جديد. ففي الوقت الذي بدأت فيه البلاد بالكاد تخرج من عشرية مدمرة أتت على الأخضر واليابس، يطل علينا غير مرحب به رضا لينين وجماعته مبشرين بنظرية البناء القاعدي، أي بناء الديمقراطية من المحليات صعودا إلى البرلمان، وهي نظرية طوباوية لم تنجح في أي بلد وستفضي إلى تفكيك الدولة ترابيا. سأتصدى إلى مثل هذه المبادرات التي تنطوي على مخاطر جدية”.

ودوّن محسن مرزوق، رئيس حزب مشروع تونس، بسخرية “في دول ما الحكم هو للشعب، بالقانون، وتسمى دولا ديمقراطية، وفي دول يحكم الملوك بحق الدم العائلي وتسمى ملكية، وفي أخرى العسكر، وتسمى حكم طغم عسكرية، وفي أخرى قوى المال، وتسمى مال-قراطية، وفي بعضها رجال الدين، وتسمى، ثيوقراطية، وفي دول يحكم الاستعمار وهذا يعطينا سلطات استعمارية. أما عندنا منذ سنوات فالحكم، بغض النظر عمن في رأس الدولة، هو لإشاعات فايسبوك والتضليل الشامل والتخميرات الجماعية، يمكن تسميتها مثلا فايسبو-قراطية، وهمو-قراطية، تخميرو-قراطية. إلخ. باب الاقتراحات مفتوح!”.

وكان سياسيون تونسيون حذروا من تصاعد حملات التخوين التي تتعرض لها الشخصيات المعارضة للتدابير الاستثنائية من قبل “الحشد الشعبي” المؤيد للرئيس قيس سعيد.

رفض حيلة الاستفتاء

في هذه الأثناء تتزايد المخاوف من استغلال سعيّد الوضع القائم للذهاب نحو إجراء استفتاء لتعديل الدستور وتغيير نظام الحكم والقانون الانتخابي، بوسائل يصفها البعض باللادستورية، وذلك مع استغلال المزاج الشعبي المساند في جزء منه للرئيس.

وتنطلق المخاوف من أن سعيّد علّق عمل البرلمان ومنح الاختصاص التشريعي لنفسه، عبر الأمر الرئاسي رقم 117 الذي أصدره في 22 سبتمبر/أيلول الماضي، وذلك بعدما أعطى نفسه صلاحية الإشراف على السلطة التنفيذية، وعيّن حكومة من دون مصادقة مجلس النواب، لتصبح كل السلطات فعلياً في يده.

في المقابل، لا يسمح دستور 2014 بإجراء استفتاء في ظل تجميد عمل البرلمان، فهو لم يكرس الاستفتاء المباشر، ولا يمكّن رئيس الجمهورية من التوجه مباشرة لسؤال الشعب، بل يفرض تدخّل البرلمان بالموافقة على النص التشريعي أو التعديل الدستوري قبل عرضه من قبل الرئيس على الاستفتاء.

كما يشير البعض إلى أن أي استفتاء على الدستور يجب أن تسبقه مناقشات ومداولات بين مختلف الأطراف المعنية، في وقت يطرح سعيّد إجراء حوار مع الشباب يقول إنه سيكون مختلفاً عن التجارب السابقة، وسيستبعد منه من يقول إنه “استولى على أموال الشعب أو باع ذمّته إلى الخارج”.

مقابل ذلك، يستند الخبراء المساندون لتوجّه قيس سعيد بإمكانية إجراء استفتاء من دون العودة إلى مجلس النواب، إلى أن البرلمان تم تعليقه بموجب التدابير الاستثنائية، باعتباره من “أسباب الخطر الداهم”، بحسب تعبير سعيّد، وبالتالي يمكن العودة إلى الشعب صاحب السيادة لاستفتائه، مؤكدين أنه في حال تعارض النص الدستوري مع الإرادة العامة يتم تسبيق الإرادة العامة على النص.

ويستند تنظيم الاستفتاءات في تونس إلى دستور 2014، وينظّمها القانون الأساسي للانتخابات والاستفتاء، إذ ينصّ الفصل 3 من الدستور على أن “الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطات، يمارسها بواسطة ممثليه المنتخبين أو عبر الاستفتاء”، وقد أبقى سعيّد على هذا البند خلال إعلانه تعليق الدستور بمقتضى الأمر الرئاسي 117، في 22 سبتمبر الماضي، الذي برر الرئيس استخدامه في إطار البند 80 من الدستور.

في مقابل ذلك، تم تعليق البند 50 الذي ينظم باب السلطة التشريعية وعمل البرلمان، والذي ينص على أنه “يمارس الشعب السلطة التشريعية عبر ممثليه بمجلس نواب الشعب أو عن طريق الاستفتاء”.

وسحب سعيّد صلاحيات البرلمان التشريعية، ومنح نفسه هذا الاختصاص، بمقتضى الأمر 117 الذي ينص على أن “إصدار النصوص ذات الصبغة التشريعية يتمّ في شكل مراسيم يختمها رئيس الجمهورية، ويأذن بنشرها بالرائد الرسمي، وذلك بعد مداولة مجلس الوزراء”.

وعلى الرغم من تعارض الأمر الرئاسي مع الدستور، فإن سعيّد لطالما أجاب معارضيه بأنه لم ينقلب على الدستور، بل إنه يتحرك في إطاره، مستنداً بالأساس على البند 80 منه الذي يمكّنه من اتخاذ التدابير التي يراها في إطار الحالة الاستثنائية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق