الثورة المضادةرئيسي

محاكاة للنهج الإماراتي.. قلق دولي وحقوقي على تصاعد القمع في تونس

أبدت أطراف دولية وحقوقية قلقا متزايدا على تصاعد القمع في تونس وسط تخوفات على مستقبل الحريات واحترام مكتسبات حقوق الإنسان في البلاد مع إعلان الرئيس التونسي قيس سعيّد الانفراد بالسلطات وإلغاء وسائل الرقابة.

وانتقدت الولايات المتحدة الأمريكية إغلاق السلطات التونسية “قناة الزيتونة” التلفزيونية، وحضّتها على اتّباع مسار واضح لاستعادة الحكم الديمقراطي.

وحجزت قوات الأمن التونسية معدّات “قناة الزيتونة” الخاصة المقرّبة من “حركة النهضة”، بدعوى أنّها تبثّ “خارج إطار القانون”، وفق “الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري” (الهايكا).

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس للصحافيين: “نشعر بالقلق وخيبة الأمل حيال التقارير الأخيرة من تونس حول التعدّيات على حرية الصحافة والتعبير”.

ودعا برايس الحكومة التونسية إلى “المحافظة على التزاماتها باحترام حقوق الإنسان كما نصّ عليها الدستور التونسي” ومرسوم أصدره الرئيس قيس سعيّد في سبتمبر/أيلول.

وأضاف: “نحضّ أيضاً الرئيس التونسي ورئيسة الوزراء الجديدة على الاستجابة لدعوة الشعب التونسي، لوضع خارطة طريق واضحة، للعودة إلى عملية ديمقراطية شفّافة ينخرط فيها المجتمع المدني والأصوات السياسية المتنوّعة”، وفق ما نقلته وكالة “فرانس برس”.

وكانت إدارة “قناة الزيتونة” أعلنت، عبر صفحتها على موقع “فيسبوك”، أنّ قوات من الأمن التونسي اقتحمت مقرها صباح الأربعاء، وشرعت في إتلاف المعدات، مصحوبة بأعضاء من “الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري” (الهايكا).

ورأى رئيس تحرير “قناة الزيتونة” لطفي التواتي أنّ قرار إغلاقها سياسي. وقال سابقاً إنّ “القرار هو معاقبة لـ(الزيتونة) على مواقفها الأخيرة من قرارات الرئيس… السلطات حرّكت الهيئة بسبب معارضتها للرئيس”.

وأعربت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين عن قلقها مما وصفته بـ”تردي وضع الحريات” في تونس، مشيرة إلى “تصاعد وتيرة الاعتداءات والملاحقات بعد الإحالات الأخيرة على القضاء العسكري على خلفية الآراء والأفكار”.

وحذّرت النقابة من أن “تنسف هذه التطوّرات مكتسبات الثورة والأسس المدنية للدولة وقيم الديمقراطية والتعدد والتنوع”.

وأعلنت رفضها المطلق للمحاكمات العسكرية للمدنيين على خلفية آرائهم ومواقفهم ومنشوراتهم، مؤكدة أنّ هذا الإجراء “يمثل انتكاسة لحرية التعبير وضرباً للديمقراطية وحق الاختلاف”.

ورغم إبقاء سعيّد بابي الحقوق والحريات عند تعليقه الدستور في 22 سبتمبر/ أيلول الماضي، إلا أنّ المنظمات والجمعيات الحقوقية تعتبر أنّ إلغاء وسائل الرقابة وتحصين سعيد لقراراته وانفراده بسنّ التشريعات، تُعَدّ مدخلاً خطيراً ومنفذاً نحو ضرب مكاسب حقوق الإنسان.

وتتواصل الانتهاكات والاعتداءات على الحريات والحقوق الدستورية رغم توصيات سعيّد لوزارة الداخلية وتعليماته باحترام الحق في التظاهر والتنقل والتعبير والعمل الصحافي، إذ أصدرت عدة منظمات بيانات منددة بالاعتداءات.

وسجلت تونس خروقات دستورية وحقوقية تتعلق بمحاكمة صحافيين وسياسيين من قبل القضاء العسكري بتهم الاعتداء على أمن الدولة، إضافة إلى إصدار قرارات تتعلق بتقييد إقامة عديد الشخصيات السياسية والقضاة والمسؤولين السابقين دون قرار قضائي، فضلاً عن إصدار قرارات منع السفر.

ووصف الكاتب العام لـ”جمعية مناهضة التعذيب” منذر الشارني، وضع حقوق الإنسان في تونس بـ”الخطير”، مشيراً إلى أنّ ذلك الوصف ينطلق من عدة مؤشرات، منها مسألة فرض الإقامة الجبرية ومنع السفر عن عديد الأشخاص، من بينهم قضاة وسياسيون وموظفون، دون معرفة الأسباب.

وقال الشارني إنّ الطعون التي قدمت أمام المحكمة الإدارية بغرض إيقاف تنفيذ الإقامة الجبرية انتهت بالرفض، مؤكداً مطالبة المحكمة الإدارية بإنشاء دوائر خاصة بالحقوق والحريات للنظر في “هذه القضايا الحقوقية التي تعتبر ذات طابع خاص تختلف عن القرارات الإدارية العادية”.

وبيّن الشارني أنّ “خطورة الوضع واستعجالية القضايا الحقوقية تتطلبان إحداث دائرة متخصصة بدل الرئيس الأول للمحكمة الإدارية”.

ولفت إلى أنّ “المحكمة الإدارية أصدرت قرارات في السابق تتناقض مع القرارات اليوم”، وأوضح أنّ “عدم وجود تركيبة جماعية في المحكمة الإدارية، جعل قرارات وقف التنفيذ الاستعجابية بيد رئيس المحكمة فقط”.

وأكد أنّ من بين الإشكاليات المتعلقة بالحقوق “محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري وتحرك النيابة العسكرية ضد نواب وصحافيين”، مشدداً على أنّ القضاء العدلي المدني هو المتخصص في النظر في المخالفات والجرائم التي يرتكبها المدنيون.

وأشار إلى أنّ “هناك عرقلة للحق في التظاهر والتضييق على المتظاهرين المعارضين لتوجهات 25 يوليو/ تموز الماضي”.

ومن بين المؤشرات الأخرى على خطورة الوضع الحقوقي، لفت الشارني إلى “طرق مداهمة منازل النواب، وذلك على غرار ما حصل من محاولة مداهمة منزل أستاذ القانون الدولي والناشط في حملة (مواطنون ضد الانقلاب) جوهر بن مبارك”، مشيراً إلى أنّ من حق أنصار سعيّد ومعارضيه التظاهر كما يكفله الدستور والمواثيق الدولية التي تفرض احترام جميع الآراء.

ولفت الشارني إلى “ضعف سلطة الرقابة جراء جمع الصلاحيات بيد رئيس الدولة في ظل غياب البرلمان والحكومة”، متحدثاً عن وجود “تخوفات حقيقية من استمرار التفرد بالسلطات وما ينعكس على ذلك من استمرار ارتكاب الخروقات”.

من جهته، أكد المتحدث باسم “المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية” رمضان بن عمر، أن استمرار التضييق على الحقوق والحريات، وخاصة ما يتعلق بمسألة المحاكمات العسكرية للمدنيين، “يعد أمراً مقلقاً جداً بالنسبة إلى المنتدى”.

وذكر أن “ما يبعث على القلق أيضاً، محاكمة الصحافيين بعيداً عن المرسومين 115 و116 (الخاص بتنظيم الصحافة) والتعامل الأمني مع الاحتجاجات الاجتماعية على غرار ما حصل في محافظة جندوبة حول الماء أو في سيدي بوزيد”، مشيراً إلى أنّ “غياب أي ردود فعل رسمية إلا من بعض التطمينات الكلامية فقط، يجعل الوضع مقلقاً”.

وأضاف بن عمر أنّ “المنظمات الحقوقية في وضع متابعة للتطورات، خاصة أن البلاد مقبلة على تحديات اجتماعية واقتصادية في غياب بوادر استقرار أو انفراج سياسي”.

وكان رئيس “الرابطة التونسية لحقوق الإنسان” جمال المسلم، أعلن أن “أكثر الانتهاكات المسجلة في تونس تتعلق بالمنع عن السفر من خلال القرارات التي تتخذها وزارة الداخلية دون قرار قضائي المعروفة بالإجراء الاحترازي (إس 17)”.

وعبّر المسلم عن قلق الرابطة بشأن أوضاع حقوق الإنسان إثر تلقيها عشرات الشكاوى بعد 25 يوليو/تموز الماضي.

ولفت إلى أنّ “الرابطة التقت رئيس الجمهورية يوم 26 يوليو/تموز الماضي، وأكدت ضرورة احترام منظومة الحقوق والحريات، فيما وعد الرئيس في عديد المناسبات بعدم المسّ بالحريات، كما أبقى على بابي الحقوق والحريات عند تعليق الدستور”.

وشدد على “ضرورة عدم المسّ أيضاً بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تحمي حقوق الإنسان، وتكفل حريته وبقية النصوص التي تبنتها تونس لأنها تمثل ضمانة دولة تحترم شعبها وحقوقهم”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق