الثورة المضادةرئيسي

شواهد على تعمق عدم اليقين السياسي في تونس

استعرض “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” شواهد تعمق عدم اليقين السياسي في تونس في ظل إجراءات رئيس الجمهورية قيس سعيد للاستحواذ على السلطة.

وقال المعهد إنه على الرغم من أن العديد من التونسيين يثنون على الحريات الفردية التي اكتسبوها، إلا أنهم يعتبرون أن تجربة البلاد مع التعددية السياسية كانت فاشلة بسبب استمرار مشاكل الفساد والشلل السياسي والخلل الاقتصادي.

وأضاف أنه على واشنطن أن تؤكد علناً على أهمية الحفاظ على التقدم في التعددية السياسية وحقوق الإنسان في تونس، بينما تنقل بصورة غير علنية أن على تونس العود ة إلى الإطار الدستوري من أجل الحصول على تمويل من “مؤسسة تحدي الألفية” و”صندوق النقد الدولي”.

وفي 24 آب/أغسطس الماضي، أعلنت الصفحة الرسمية للرئيس التونسي قيس سعيد على موقع “فيسبوك” أنه سيمدد “حتى إشعار آخر” الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الشهر الماضي، عندما أقال رئيس الوزراء، وعلّق “مجلس نواب الشعب”، وألغى الحصانة القانونية الممنوحة للمشرعين، وعين نفسه المدعي العام للبلاد.

وتؤدي هذه الخطوة إلى تعميق حالة عدم اليقين المحيط بالديمقراطية الناشئة في تونس، والتي زعزعتها أساساً الاحتجاجات المناهضة للحكومة، والصراعات الاقتصادية، والغضب على نطاق واسع من تعامل الدولة مع أزمة “كوفيد-19”.

وتسمح المادة 80 من دستور عام 2014 للرئيس التونسي باتخاذ “أي إجراءات تقتضيها الظروف الاستثنائية”، ولكن مع وجود ثلاثة قيود رئيسية: يمكن اتخاذ الإجراءات لمدة 30 يوماً فقط (وهي فترة انتهت في 24 آب/أغسطس)، وتتطلب التشاور مع الفروع الأخرى للحكومة (وهو أمر يبدو أن سعيد لم يفعله)، ولا تمنح الرئيس صلاحية تعليق عمل “مجلس نواب الشعب” (الأمر الذي يتطلب مداولات من قبل محكمة دستورية لم يتم تشكيلها بعد).

ومثل هذه الشروط قادت النقاد إلى استنتاج أن إعلان سعيد في 25 تموز/يوليو كان بمثابة انقلاب. وقد أدى إعلانه الأخير إلى توسيع نطاق هذا النقد.

مناورة الرئيس

في البداية، حظيت مركزية السلطة التي فرضها سعيد بدعم محلي واسع النطاق، ولكن ليس بسبب تحمس التونسيين لطي صفحة الديمقراطية.

وعلى الرغم من أن العديد من المواطنين يثنون على الحريات الفردية التي اكتسبوها، إلا أنهم يعتبرون أن تجربة البلاد مع التعددية السياسية التي استمرت لعقد من الزمن كانت فاشلة بسبب استمرار مشاكل الفساد والشلل السياسي والخلل الاقتصادي.

إن واقع تسجيل تونس حالياً أعلى معدل وفيات للفرد في العالم من جراء فيروس “كورونا” يفاقم الشعور العام بالسخط.

ومن ثم، فإن معظم الكتل السياسية ومنظمات المجتمع المدني قد استقبلت خطوة سلطة سعيد بقبول حذر أو حتى بشعور بالابتهاج والغبطة – باستثناء حركة “لنهضة”، الحزب الإسلامي المهيمن الذي يتهمه العديد من المواطنين بإعطاء الأولوية لبقائه على احتياجات ناخبيه.

ومنذ إعلانه في تموز/يوليو، لم يقدّم سعيد مساراً للمرحلة القادمة، وبدلاً من ذلك ركز على ملاحقة رجال الأعمال والسياسيين الفاسدين المزعومين.

وعلى غرار خطواته الأخرى، تحظى هذه الحملة ضد الفساد بدعم محلي واسع النطاق، لكن هدفها النهائي وفوائدها غير واضحة.

وحتى الآن، تسببت الخطوات التي اتخذها بتجميد المفاوضات التي تجريها تونس لتأمين [المساعدات من] برنامج “صندوق النقد الدولي” البالغة 4 مليارات دولار والضرورية لتسديد الديون المتفاقمة والحصول على تمويل دولي إضافي.

ويعتقد سعيد على ما يبدو أنه يستطيع الاعتماد على الأصول المستردة وتدفق محتمل للدعم المالي من المملكة العربية السعودية بدلاً من تنفيذ الإصلاحات غير الشعبية التي فرضها “صندوق النقد الدولي” والتي تجنبتها تونس خلال العقد الماضي.

وعلى صعيد حقوق الإنسان، اعتقلت الحكومة منتقدي الرئيس ومنعت السياسيين ورجال الأعمال والقضاة من السفر.

ومع ذلك، قد تعمل عوامل أخرى لصالح المصالح السياسية لسعيد، من بينها الحملة الطبية المتسارعة المدعومة عسكرياً والتي زادت معدل التطعيم في البلاد بأكثر من الضعف في الثلاثين يوماً الماضية، إلى أكثر من 15 بالمائة للأشخاص الذين تم تطعيمهم حتى الآن بصورة كاملة.

المصالح الأمريكية والدعم الأمريكي

خلال العقد الماضي، أثبتت تونس أنها حالة نادرة على الصعيد الإقليمي: فهي ديمقراطية عربية ليبرالية بصورة عامة منحت مواطنيها حريات واسعة حتى بينما كانت تحاول احتواء تهديدات متطرفة وجهادية، وكل ذلك مع الحفاظ على توجهات السياسة الخارجية الصديقة للولايات المتحدة.

وبالتالي، فللولايات المتحدة مصلحة في رؤية البلاد تستقر وتوطد ديمقراطيتها بدلاً من التراجع نحو الاستبداد.

ولا يكتسي الشكل الدقيق للديمقراطية الناشئة في البلاد – سواء كانت نظاماً رئاسياً أو برلمانياً – نفس الأهمية كالحاجة إلى احترام المبادئ الأساسية للحكومة التمثيلية في إطار الدستور.

ويبدو أن سعيد يسعى إلى إعادة اصطفاف جذرية من شأنها التخلّص من الأحزاب السياسية ونقل معظم عمليات صنع القرار إلى المجالس المحلية وتفويضها إليهم.

وتحظى هذه الفكرة ببعض الجاذبية في صفوف المواطنين في الضواحي، والمناطق المهملة منذ فترة طويلة في البلاد، لكن الرئيس لم يحدد خطة عملية لتنفيذها.

ومهما كانت خطط سعيد، يجب أن تعمل واشنطن على ضمان عدم عودة تونس إلى حكم استبدادي كامل أو المزيد من عدم الاستقرار، الأمر الذي سيفتح المجال أمام الجهات الفاعلة السيئة لاستغلال الأوضاع في المنطقة.

ويمكن للإغراءات الأمريكية الهادئة بل الحازمة أن تقطع شوطاً طويلاً نحو هذه الغاية.

ومنذ ثورة 2011، قدّمت الولايات المتحدة أكثر من 1.4 مليار دولار من المساعدات إلى تونس. واتّخذت بعضها شكل “صناديق الدعم الاقتصادي” (45 – 89 مليون دولار سنوياً على مدى السنوات الخمس الماضية، مع طلب جديد بقيمة 85 مليون دولار في أول اقتراح للميزانية من قبل إدارة بايدن).

كما وقّعت واشنطن اتفاقية ثنائية أمدها خمس سنوات لتوفير ما يصل إلى 335 مليون دولار لنمو القطاع الخاص.

وفي 30 حزيران/يونيو، وافقت “مؤسسة تحدي الألفية” الأمريكية على عقد (اتفاق) أمده خمس سنوات بقيمة 500 مليون دولار لتطوير قطاعيْ المياه والنقل في تونس – على الرغم من أنه لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى قد تؤدي تصرفات سعيد إلى تعريض الاتفاق للخطر، الأمر الذي يتطلب من الشركاء الالتزام بالحكم الرشيد والديمقراطية.

وتتلقى تونس أيضاً ملايين الدولارات سنوياً لبرامج الأمن الداخلي (على سبيل المثال، إضفاء الطابع المهني على وحدات مكافحة الإرهاب؛ تنفيذ إصلاحات السجون)، في حين توطدت العلاقة الدفاعية الأوسع نطاقاً [مع الولايات المتحدة] بشكل كبير منذ عام 2011.

وقبل الثورة، حرصت حكومتا بن علي وبورقيبة على إبقاء الجيش مؤسسة ضعيفة لمنع احتمال حدوث انقلاب. ولكن منذ ذلك الحين، عزز الجيش قدراته من خلال زيادة ميزانيته وتأمين الدعم الدولي، لا سيما من الولايات المتحدة.

ووفقاً لـ “المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية”، ارتفع الإنفاق الدفاعي للبلاد من 666 مليون دولار في عام 2012 إلى 1.14 مليار دولار في عام 2020، مدعوماً جزئياً بما قيمته 65 إلى 95 مليون دولار في “التمويل العسكري الخارجي” السنوي من واشنطن على مدى السنوات الخمس الماضية.

ويجعل ذلك تونس من الدول العشر الأولى المتلقية لبرنامج “التمويل العسكري الخارجي”، وقد تم طلب 85 مليون دولار أخرى للسنة المالية 2022. وفي الوقت نفسه، صنفت واشنطن البلاد كحليف رئيسي من خارج حلف “الناتو” في عام 2015.

وفيما يتعلق بعمليات الشراء المحددة، وافقت الولايات المتحدة على بيع اثنتي عشرة مروحية من طراز “يو إتش-60 أم بلاك هوك”(وتم بالفعل تسليم ثمانية منها)  لدعم مهام مكافحة الإرهاب، فضلاً عن تسليم تونس مروحيات حربية من نوع “أو إتش-58 دي كيوا واريور” وطائرات حربية من نوع “سي-130”.

وبالفعل، يركّز الجيش التونسي الآن بشكل أساسي على القيام بعمليات لمكافحة الإرهاب وفرض الأمن على الحدود، ووفقاً لبعض التقارير تقدم “القوات الخاصة الأمريكية” المشورة إلى وحدات مكافحة الإرهاب التابعة لها.

إن ضمان قدرة البلاد على مواصلة مثل هذه العمليات أمر بالغ الأهمية لمنع عودة النشاط الإرهابي. وعلى الرغم من أن التعاون الأمني ​​الأمريكي قد مكّن تونس من تقليص التهديد الجهادي على مدى السنوات الست الماضية، إلا أن البلاد لا تزال تكافح التأثيرات المتبقية من إحدى أكبر حركات التجنيد [للمنظمات الإرهابية] في العالم.

وقد توفر التطورات السياسية الأخيرة الزخم للمنتسبين لتنطيمي «القاعدة» أو «الدولة الإسلامية» لاختبار تصميم سعيد، في حين يُفترض أن الجيش سيكون أقل استعداداً للعمليات الأمنية التقليدية إذا استمر سعيد في الاعتماد عليه في المهام المتعلقة بعمليات التطعيم ضد مرض فيروس كورونا.

الخيارات السياسية

قبل أزمة أفغانستان، حث كبار المسؤولين في إدارة بايدن، وبحق، سعيد على إعادة “الديمقراطية البرلمانية” في أقرب وقت ممكن.

وقام نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي جون فاينر ومساعد وزير الخارجية الأمريكية بالنيابة جوي هود بإبلاغ هذه الرسالة شخصياً إلى [المسؤولين في] تونس في 13 آب/أغسطس.

ومع ذلك، يشير الإعلان الأخير لسعيد إلى أنه يشعر بالجرأة الكافية لرفض الضغط الخارجي والحفاظ على حالة الطوارئ.

وعلى الرغم من الأزمات المتعددة التي ستُبقي الإدارة الأمريكية منشغلة، يتعيّن عليها إبلاغ سعيد بأنها تهتم بمستقبل تونس وتتوقع منه أن يحافظ على التقدم الذي أحرزته البلاد بشق الأنفس فيما يتعلق بالحكومة التمثيلية وحقوق الإنسان.

وبالنظر إلى أنه يفضل على ما يبدو إلغاء الأحزاب ونقل السلطة إلى المجالس البلدية، يجب على الإدارة الأمريكية الاستمرار في التأكيد على أن أي تغيير في النظام السياسي يجب أن يأتي من خلال عملية دستورية. يجب تفويض السفير الأمريكي دونالد بلوم بقيادة هذا الحوار وتنسيق الرسائل مع الشركاء الأوروبيين.

ومن المرجح أن يحرص سعيد على الحفاظ على علاقة إيجابية مع الولايات المتحدة حتى بينما يحاول تعزيز سلطته. يجدر بواشنطن إبلاغه – بشكل واضح وغير علني – أنه لا يمكنه الحصول على كل شئ بسهولة، وأن الحصول على عقد “مؤسسة تحدي الألفية”، وضمانات القروض المستقبلية، والمفاوضات المثمرة لـ “صندوق النقد الدولي” تعتمد على أفعاله.

وفي الوقت نفسه، على الإدارة الأمريكية تجنب إعطاء تصريحات علنية انتقادية أو التهديد بالمساعدة العسكرية في هذا الوقت، إلا إذا بقيت أحكام السجن غير القانونية سارية أو إذا لم تُظهر تونس أي إشارات على إعادة العمل بالديمقراطية في الأشهر المقبلة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق