الثورة المضادةرئيسي

تونس على مفترق طرق وسط إجماع على رفض استبداد قيس سعيد

تجد تونس نفسها هذه الأيام على مفترق طرق وسط إجماع شعبي وحزبي على رفض استبداد رئيس الجمهورية قيس سعيد وتفرده بالسلطات.

وتصاعد شعار “الشعب يريد عزل الرئيس” خلال تظاهرات حاشدة في العاصمة تونس وسط تساؤلات تتصاعد: هل يواجه قيس سعيّد مصير الرئيس الأسبق زين الدين بن علي؟.

وقد خرج الآلاف إلى شارع الحبيب بورقيبة رافعين شعار “ارحل” في وجه قيس سعيّد بعد إصرار الأخير على احتكار السلطة في تونس.

وردد المحتجون شعارات تطالب بإسقاط الانقلاب في شارع الحبيب بورقيبة الذي كان محوراً للمظاهرات التي أنهت حكم بن علي في 14 يناير/كانون الثاني 2011. كما ردد المتظاهرون هتافات “ارحل” و”بالروح بالدم نفديك يا دستور” و”يا قيس يا غدار”.

وتهدد هذه الأزمة ما حققه التونسيون من مكاسب ديمقراطية في ثورة 2011 التي أطلقت شرارة احتجاجات “الربيع العربي” وأبطأت أيضاً الجهود المبذولة لمعالجة تهديد عاجل للمالية العامة، مما أثار قلق المستثمرين.

كان قيس سعيّد قد قرر فجأة يوم 25 يوليو/تموز الماضي إقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي، متولياً بنفسه السلطة التنفيذية بمعاونة حكومة قال إنه سيعين رئيسها، كما قرر تجميد اختصاصات البرلمان لمدة 30 يوماً، ورفع الحصانة عن النواب، وقرر ترؤس النيابة العامة، ولاحقاً أصدر أوامر بإقالة مسؤولين وتعيين آخرين.

وفي ذلك الوقت، كانت الأوضاع في تونس قد أصابت غالبية التونسيين بخيبة أمل واضحة في الأحزاب السياسية والبرلمان، في ظل حالة من الانسداد والمناكفة السياسية، على خلفية عدم تمتع أي من الأحزاب بأغلبية في البرلمان، وانعكاس ذلك على الأوضاع الاقتصادية والسياسية التي باتت في حالة جمود يدفع ثمنه التونسيون أنفسهم.

وجاءت جائحة كورونا وارتفاع وطأتها في البلاد بصورة أدت إلى انهيار القطاع الصحي لتدفع الأمور إلى حافة الهاوية، وخرجت تظاهرات تطالب الرئيس بالتدخل، واستغل سعيّد الفرصة، على خلفية تقارير تفيد باستعداده لذلك والتنسيق مع دول أخرى بالفعل.

وأعلن قيس سعيد إجراءاته الاستثنائية التي عارضتها الأحزاب الكبيرة في البرلمان، خصوصاً حركة النهضة وحزب قلب تونس، بينما أيدتها أحزاب أخرى وبدا أن هناك تأييداً شعبياً لإجراءات سعيّد.

ومن المهم هنا التوقف عند التسلسل الزمني للأوضاع في تونس خلال الشهرين الماضيين، أي منذ مفاجأة سعيّد التي استند فيها على المادة 80 من الدستور التونسي.

فعلى الرغم من تأكيدات سعيد المتكررة أنه لا يخالف الدستور وأنه سيقوم بتعيين حكومة وأن تجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن النواب مدته 30 يوماً فقط، فإنه أصدر قراراً بتمديد عمل البرلمان “لأجل غير مسمى”، مع مرور الشهر الأول على قراراته، ولم يعين حكومة، وواصل انفراده بالسلطة في البلاد.

ومنذ اللحظة الأولى لقرارات الرئيس التونسي، كان واضحاً أن هناك قلقاً دولياً على المسار الديمقراطي في البلاد، ونشرت صحيفة Washington Post الأمريكية تقريراً بعنوان “ديمقراطية تونس الهشة، الناجي الوحيد من الربيع العربي، في أزمة بعد أن انفرد الرئيس بالسلطة”.

بينما عنونت شبكة CNN تغطيتها لأحداث تونس قائلة “ديمقراطية تونس في أزمة بعد أن أطاح الرئيس بالحكومة”، ولم تختلف تغطية The New York Times عن نفس الخط، وجاء عنوان تغطيتها “ديمقراطية تونس على شفا الانهيار بعد تحرك الرئيس للانفراد بالسلطة”.

ومع مرور الوقت، بدأ التململ والقلق يتسرب إلى الأطراف التي ساندت الرئيس وبدأت تتعالى الأصوات المطالبة بضرورة الكشف عن خارطة الطريق التي ينوي الرئيس اتباعها للخروج من الأزمة التي تعصف بالبلاد.

بل إن الرئيس سخر من الدعوات المتزايدة لعقد حوار وطني بين جميع الأطراف للتوافق على مخرج مناسب قبل أن تصل الأمور إلى نقطة اللاعودة في البلد الذي منه انطلقت شرارة ثورات الربيع العربي قبل أكثر من عقد الزمان وأطاح بزين العابدين بن علي الرئيس الأسبق الذي حكم البلاد بطريقة ديكتاتورية لمدة ثلاثة عقود.

ويعتبر موقف عبير موسى رئيسة الحزب الدستوري الحر من إجراءات سعيّد نموذجاً لما تشهده تونس منذ اتخاذ سعيّد إجراءاته الاستثنائية.

فقد كانت موسى أول المهلّلين لقرارات الرئيس تجميد البرلمان وإقالة الحكومة والانفراد بالسلطة، لكن سرعان ما انقلب التهليل إلى رفض لقرارات الرئيس وبخاصة تجميد البرلمان.

لكن إذا كان موقف موسى، بحسب محللين، مرتبطاً بالطبيعة الشعبوية التي تتشاركها مع الرئيس قيس سعيّد وليس نابعاً من قلق حقيقي من تحول سعيّد إلى “بن علي” جديد، على أساس أن موسى من المدافعين عن النظام السابق من الأصل، فموقف أحزاب أخرى ومؤسسات مثل اتحاد الشغل يعتبر مؤشرات كان على الرئيس أن يلتفت إليها لكنه لم يفعل.

فقبل أن تحل الذكرى الشهرية الثانية لقرارات سعيّد الاستثنائية، بدأ مؤيدو الرئيس يعبرون عن “امتعاضهم” بسبب ضبابية المشهد السياسي وعدم تعيين حكومة جديدة، في ظل الأوضاع الصعبة التي تعيشها البلاد.

وبعد أن قرر سعيّد تمديد تجميد عمل البرلمان لأجل غير مسمى، وسط مؤشرات نحو اتجاه الرئيس إلى تعديل الدستور، وهو ما لمح إليه سعيّد نفسه، وأثار انتقادات ورفضاً من جانب بعض من أيدوا قرارات الرئيس الاستثنائية، ها هو الرئيس التونسي يواجه غضب الشارع نفسه.

فبينما رفضت غالبية الأحزاب التّونسية قرارات سعيّد الاستثنائية، واعتبرها البعض “انقلاباً على الدستور”، كانت أحزاب أخرى قد أيدتها ورأت فيها “تصحيحاً للمسار”، في ظل أزمات سياسية واقتصادية وصحية (جائحة كورونا).

لكن مع مرور الوقت دون أن تتضح الصورة بشأن ما هو قادم، في ظل عدم تعيين حكومة أو إعلان خارطة طريق من جانب الرئيس، بدأت بعض الأطراف المؤيدة لسعيّد في المطالبة بالتسريع في الإعلان عن الحكومة، معربةً عن رفضها تجميع السلطات والانفراد بالحكم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق