أخبار تونسرئيسي

جدل في تونس على مصير الدستور في ظل غياب التوافق الوطني

يتصاعد الجدل في تونس على مصير دستور البلاد في ظل غياب التوافق الوطني وإصرار رئيس الجمهورية قيس سعيد على التفرد بعد تعطيله المؤسسات الديمقراطية وعلى رأسها البرلمان.

وأثارت إجراءات قيس سعيد المتتالية جدلاً واسعاً بين الناشطين والقانونيين وأخرها تأكيده أنّ “التدابير الاستثنائية ستتواصل”، وأنه “تم وضع أحكام انتقالية تستجيب لمطالب الشعب”.

وذكر قيس سعيد أنّ “التدابير الاستثنائية كان يمكن أن تكون أشد”، وانتقد من اتهمه بالانقلاب قائلاً “كيف يكون انقلاباً وهو من داخل الدستور، وعلى هؤلاء العودة للدراسة”.

وأضاف أنه ”سيتم وضع قانون انتخابي جديد حتى يكون النائب مسؤولاً أمام ناخبيه، وأنّ الأحكام المتعلقة بالحقوق والحريات التي نص عليها الدستور ستبقى سارية المفعول، ولن يقدر أحد على افتكاك حريتكم”.

وشدد على أنّ السيادة للشعب يمارسها عبر الاستفتاء والانتخاب، وأنّ القضية ليست قضية حكومة بل هي قضية منظومة كاملة، مبرراً أنه لم يلجأ إلى “التدابير الاستثنائية إلا للحفاظ على الوطن”. وقال ‘إنّ الحياء والأخلاق تمنعانه من أن يتحدث عن “الخونة الذين باعوا وطنهم”، وفق تعبيره.

وأضاف أن “هناك من دفع المليارات في الخارج للتشويه وحتى للاغتيال”، وتعهد أنه “سيحافظ على الحقوق والحرّيات وأنه لن يمس أياً كان ولن يرفع أي قضية ضد أي كان”.

وتطرح هذه القرارات الجديدة أسئلة كثيرة لعل أبرزها؛ هل قرر سعيد تعليق العمل بدستور 2014 دون الإعلان عن ذلك صراحة؟.

ويقول أستاذة القانون الدستوري، منى كريم الدريدي، توضح، إن قيس سعيد قال في خطابه “الشيء ونقيضه، فمن جهة جدد التزامه بالدستور والبقاء في إطاره، ومن جهة أخرى تحدث عن إجراءات خارج الدستور”.

وفسّرت الدريدي أنّ “إصدار أحكام انتقالية يعني بالضرورة تعليق الدستور، كلياً أو جزئياً، فلو كان القصد البقاء في إطار الدستور فيتم الاعتماد على أحكام استثنائية وليست انتقالية”، مشيرة إلى أنه “يتم إصدار الأحكام الانتقالية في حالة الانتقال من وضع إلى وضع آخر، ومن دستور إلى دستور جديد”.

ولفتت إلى أنّ “الوضع يزداد غموضاً وإبهاماً”، متسائلة عن “الجهة التي ستضع هذه الأحكام الانتقالية، وبأي صيغة وكيف سيتم إقرارها وكيفية تنفيذها وتطبيقها، وعن محتوى مشروع الدستور الجديد”.

وحول تعديل القانون الانتخابي، أكدت أنه “من غير الممكن دستورياً تعديله إلا من قبل السلطة التشريعية التي تتداول فيه وتصادق عليه”، مؤكدة أنّ “الدستور التونسي يستثني تعديل النظام الانتخابي عبر مراسيم (يصدرها الرئيس) وأي آلية أخرى تعتبر مخالفة للدستور الحالي”.

من جهته اعتبر أستاذ القانون وشقيق رئيس الجمهورية، نوفل سعيّد، في تدوينة على صفحته في “فيسبوك”، أنّ “استمرار الإجراءات الاستثنائية، يتطلب وضع أحكام انتقالية ولكن لا يعني بالضرورة تعليق الدستور”.

وفي المقابل، اعتبر مقرر دستور 2014، الحبيب خضر، أنّ هناك “أحكاماً انتقالية تساوي تعليق الدستور التونسي كلياً أو جزئيّاً، وهي إيغال في الانقلاب”.

وأضاف، في تدوينة له على صفحته في “فيسبوك”، أنه “لا يمكن دستورياً تعديل النظام الانتخابي إلا بقانون صادر عن السلطة التشريعية، وهو مستثنى من مجال المراسيم (الفقرة الأخيرة من الفصل 70) وغير ذلك ليس إلا إيغالاً في الانقلاب”.

وكان سعيد كال اتهامات متعددة لمن تظاهر ضد الانقلاب يوم السبت في تونس وباريس، واصفاً بعضهم بـ”المخمورين”، وأنّ منهم “منْ قبض أموالاً للاحتجاج”، على حد قوله.

وردّ النائب عن “التيار الديمقراطي” نعمان العش، على خطاب سعيد، قائلاً إنّ الخطاب “تبريري لفشل 55 يوماً من السلطات المجمعة… ثرثرة وصراخ”.

وعلّق أستاذ القانون الدستوري، جوهر مبارك، وهو كان أحد المتظاهرين يوم السبت بالقول “ما أقوى 18″، في إشارة إلى تاريخ التظاهرات “ضد الانقلاب” السبت 18 سبتمبر/أيلول، واستنكر كثيرون من المشاركين هذه الاتهامات.

وفي المحصلة، فإنّ سعيد يبدو متوجهاً إلى الإمام في ما يمكن أن يسمى بالمرور بقوة مع أنه يؤكد كل مرة أنه متمسك بالدستور.

ولكن بالعودة إلى تصريحاته، الثلاثاء الماضي، مع بعض من أساتذة القانون المؤيدين له، تتكشف بعض هذه النوايا. فقد طرح بشكل مستعجل وعرضي عن امتلاكه لقانون منظم للسلطة العمومية (دستور مؤقت لتنظيم السلطات، يعوض الدستور الأصلي في حالة إيقاف العمل به حتى إصدار دستور جديد).

وقال سعيد، في فيديو نشرته صفحة الرئاسة متوجهاً للخبراء “اليوم التنظيم المؤقت موجود، وعندي من النصوص ما لا يعرفون..”.

وانتقد الرئيس دستور 2014، قائلاً إنّ “الدستور كله أقفال، وفي خدمة المافيا التي تحكم تونس في السر، ولإضفاء مشروعية وهمية على نص غير مشروع”، متسائلاً “ألا يتغير الدستور؟”، معتبراً أنّ “كاتبي دستور سنة 59 قالوا إنه قابل للتطور بتطور الزمان”.

ويتضح أنّ سعيد يكشف عن برنامجه وخريطة طريقه بأسلوب الجرعات على مرات متعددة، يطلقها في شكل اختبارات تستكشف ردود فعل الساحة الوطنية والدولية.

إذ توجّه في كلمته، الإثنين، بشكل مباشر إلى الخارج، مشدداً على أنه لن يمس الحقوق والحريات، ويبدو أيضاً أنه يؤكد لبعض المتخوفين في الداخل من أنّ أبواب الحريات في الدستور التونسي لن تتغير ولكنه ينوي تغيير بقية الأبواب المتعلقة بالسلطة والنظام السياسي.

ولا يعترض كثيرون على مراجعة وبحث النظام السياسي والقوانين الانتخابية في تونس، بل إن أغلب الأحزاب والمنظمات دعت إلى ذلك بوضوح على امتداد الأشهر الماضية، ولكن يبقى السؤال بأي طريقة سيتم ذلك، وهل ستكون القرارات تشاركية وتوافقية كما كان في دستور 2014؟.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق