حرياترئيسي

المحاكمات العسكرية.. سلاح قيس سعيد لتكريس الاستبداد

برزت المحاكمات العسكرية في تونس مؤخرا كسلاح بيد رئيس الجمهورية قيس سعيد من أجل تكريس الاستبداد وإسقاط الخصوم تحت ستار مكافحة الفساد.

وفي وقت لا يزال الترقب مستمراً في تونس لإعلان حكومة جديدة منذ فرض قيس سعيّد التدابير الاستثنائية في البلاد وتجميد البرلمان في 25 يوليو/ تموز الماضي، تثير حملة التوقيفات وحظر السفر بحق قضاة ونواب ورجال أعمال مخاوف وقلق حقوقيين وخبراء بشأن تراجع محتمل للحقوق والحريات.

مؤخرا تعهد   قيس سعيّد بأن يتحرك في إطار الشرعية الدستورية وتكوين حكومة في وقت قريب دون أن يعطي تاريخاً محددا لإنهاء هذا الوضع.

كما وعد الرئيس التونسي في وقت سابق  بمحاربة ما وصفهم بـ “المافيا التي تحكم تونس” بسيطرتها في الخفاء على مسؤولين سياسيين فاسدين في البلاد، مؤكّداً أنّ الصلاحيات الاستثنائية التي منحها لنفسه بموجب الدستورهدفها تمكينه من شنّ هذه الحرب.

وجدّد سعيّد التأكيد على أنّ التدابير الاستثنائية التي اتّخذها قبل حوالي شهرين لا تمتّ إلى الانقلاب بصلة، كما يتّهمه بذلك خصومه. يرتكز الرئيس التونسي في قراراته على الفصل 80  من دستور 2014 الذي يخوّله اتخاذ تدابير استثنائية في مواجهة ”خطر داهم”.

بعد عشر سنوات على الثورة، ظهر غضب شعبي عند عدد كبير من التونسيين تجاه طبقة سياسية ”تفتقد إلى الكفاءة” و”مخيبة للأمل”.

وظهر الخلاف الحاد والصراع السياسي منذ شهور بين الرئاسة والحكومة والبرلمان ما أدخل البلاد في دوّامة تعطلت على إثرها عجلة الدولة وفاقمت من تداعيات الوضع الاقتصادي والاجتماعي والصحي للبلاد.

وتثير التدابير التي اتخذها وحملة مكافحة الفساد التي باشرها قيس سعيد منذ تعليق أعمال البرلمان في يوليو/ تموز الماضي القلق والخوف من تراجع الحريات في تونس.

وقد شملت عمليات التوقيف مسؤولين سابقين ورجال اعمال وقضاة ونوابا واتخذت إجراءات منع السفر و فرض إقامة جبرية بقرار من وزارة الداخلية فقط،  كما ندد مدافعون عن حقوق الإنسان.

من بين البرلمانيين الموقوفين النائب التونسي عن حركة أمل وعمل، ياسين العيّاري، الذي جاء توقيفه بعد خمسة أيّام من إعلان الرئيس قيس سعيّد التدابير الإستثنائية وتجميد البرلمان.

اعتبر العيّاري حينها قرارات سعيّد الاستثنائية “انقلاباً عسكرياً”، فأُوقف هذا المدون السابق المعروف بمواقفه الحادة خصوصا ضد السياسيين، نهاية تموز/ يوليو الماضي تنفيذا لقرار قضائي بسجنه مدة شهرين صدر عن القضاء العسكري إثر نشره لتدوينة في صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” انتقد فيها الجيش في عام 2018.

في الثامن من سبتمبر/ أيلول، بدأ النائب التونسي المعتقل ياسين العيّاري معركة الأمعاء الفارغة احتجاجا على الملاحقات القضائية العسكرية في حق المدنيين، على ما أفاد محاميه.

تظاهر المتضامنون مع العيّاري أمام المسرح البلدي بشارع الحبيب بورقيبة في العاصمة تونس، رافعين شعارات رافضة للمحاكمات العسكرية للمدنيين.

من جهتها اعتبرت المنظمة الدولية المعنية بمراقبة حقوق الإنسان، هيومن رايتس هووتش، في بيان سابق لها” أن رفع الحصانة عن أعضاء البرلمان مهّد الطريق للسلطات” من أجل تنفيذ عقوبة سجنية ضد نواب في البرلمان وضدّ النائب ياسين العياري وإخضاعه للتحقيق بتهمة “التشهير بالجيش”.

وطالبت المنظمة الحقوقية السلطات التونسية بالإفراج الفوري عن النائب البرلماني لأنه “يُعاقب بسبب ممارسة حقه في التعبير”.

والقلق من تراجع الحريات في تونس، ازداد خاصة بعد إعلان قيس سعيد في 23 أغسطس/ آب الماضي عن تمديد الإجراءات الاستثنائية دون أن يعطي تاريخاً محدداً لإنهاء هذا الوضع ودون إعادة فتح البرلمان، وتعيين رئيس جديد للحكومة.

في هذا الصدد قال إريك غولدستين، مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالإنابة في هيومن رايتس ووتش: “تبدو تطمينات الرئيس سعيّد بشأن حقوق الإنسان جوفاء عندما يركّز السلطات في يده، ويصير أعضاء البرلمان والتونسيون الآخرون فجأة عرضة لقيود تعسفية على حريتهم، ويُزجّ ببعضهم في السجن”.

من جانبها نددت جمعية “ضحايا التعذيب في تونس” ومقرها جنيف بالأحداث الأخيرة المتسارعة المتعلقة بوضع حقوق الإنسان، وانتقدت قرارات قيس سعيد واعتبرتها” انتهاكات خطيرة لحقوق الانسان، ووصلت إلى التعدي على نواب الشعب الذين تم اختيارهم بطريقة ديمقراطية“.

من جهة أخرى نظم عدد من النشطاء الرافضين للمحاكمات العسكرية، احتجاجات في عدد من المدن التونسية والأوروبية.

زياد مبارك، ناشط مشارك في هذه الإحتجاجات، عبر عن مطالب المحتجين بالقول “نحن نرفض الإنقلاب، نرفض الخروج عن الدستور ونرفض محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية”.

ومنذ قرار تمديد الإجراءات الإستثنائية، يترقب الشارع التونسي الخطوة التالية للرئيس التونسي قيس سعيّد، الذي تزداد الضغوظ عليه في الداخل والخارج يوما بعد يوم  وتطالبه بتوضيح المسار الذي ستسلكه البلاد في المستقبل.

في خطاباته السابقة تعهد سعيّد بعدم العودة إلى الوراء وبإعلاء إرادة الشعب وإعادة السيادة إليه، في مؤشر على إصلاحات سياسية يتوقع على نطاق واسع أن تطال النظام السياسي والدستور والذهاب إلى انتخابات مبكرة. فهل يعيد تونس إلى مسار الديمقراطية؟.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق