الثورة المضادةرئيسي

علاقات تونس الخارجية مهددة بسبب استبداد قيس سعيد

تجمع الشواهد والمواقف الدولية على أن علاقات تونس الخارجية باتت مهددة بشكل غير مسبوق بسبب استبداد رئيس الجمهورية قيس سعيد وإصراره على انقلابه على مؤسسات الدولية.

مؤخرا غادر مفوض السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل، تونس، تاركا تصريحاته في قصر قرطاج لتثير جدلا واسعا بين النخب السياسية.

إذ أكد بوريل على ضرورة وضع حد للإجراءات الاستثنائية، وعلى استئناف تونس مسارها الديمقراطي وإعادة النشاط البرلماني، رابطا ضمنيا استمرار العلاقات السياسية المتميزة مع تطبيق هذه المقترحات التي ينتظر الأوروبيون تجسّدها في الواقع قريبا.

لا شيء يوحي في ما نشرته رئاسة الجمهورية على حسابها في “فيسبوك” بأن هذا الكلام تم قوله فعلا، أو حتى تم التطرق إليه في لقاء بوريل بالرئيس قيس سعيّد، بل نشرت الرئاسة مباشرة، في الصفحة نفسها، وبلغة متوترة، أن تونس ليست تلميذا يختبره المدرّسون ويسندون إليه أعدادا من أجل تقييم انضباطه أو استيعاب الدروس التي تلقّاها.

ولا شك في أن هذا الكلام ردة فعل تجاه الضغوط الخارجية التي تفاقمت، في الأيام الأخيرة، خصوصا بعد زيارة وفد الكونغرس الأميركي تونس أيضا، والتي تلتها أيضا تصريحات رئيس الوفد، النائب من الحزب الديمقراطي، كريس مورفي، أن لا شيء يفيد بأن الرئيس سعيّد قد فهم الرسائل.

وقد كتبت صحف أميركية أن ضغوطا ما يمارسها بعض الأعضاء، من أجل قطع المساعدات الأميركية عن تونس.

في المقابل، تورد المصادر نفسها سعي بعض هؤلاء إلى صياغة ما يشبه مخطّط مارشال لإنقاذ لبنان، خصوصا أن الوفد زار أيضا هذا البلد الذي يمرّ بظروف صعبة.

لا أحد يتمنّى لبلده أن يكون محلّ تدخّل قوى أجنبية أو ممارسة أي ضغوط عليه، خصوصا وأن هذه التدخلات لن تكون دوما لصالح البلد، ولكن علينا أيضا أن نتخلّى عن هذه المفاهيم الطوباوية للسيادة الوطنية إلى حد العبث والنفاق، وتدفع أنصار سعيد إلى تخوين غيرهم والمناداة بمحاكمتهم، على غرار دعواتٍ أعقبت حضور وفد تونسي مصغر الجلسة العامة للمؤتمر العالمي الخامس لرؤساء البرلمانات، الأسبوع الفارط، في فيينا.

وقد فتح رفض أيٍّ من أشكال الحوار الداخلي بين مختلف الفرقاء التونسيين باب التدخلات الخارجية، ولكن علينا أن نتذكّر أن الرئيس سعيّد ذاته كان أول من استقبل بعد أيام قليلة وفودا خارجية، قدمت من السعودية ومصر والبحرين والإمارات، عبّرت عن مساندة بلادهم المطلقة إجراءاته الاستثنائية.

غياب الانسجام في موقف أنصار سعيد الذين خوّنوا كل من أثنى على تلك الإشارات التي بعث بها الوفدان الأوروبي والأميركي، والحاثة على استئناف المسار الديمقراطي، دفع عديدين ممن دعموا الانقلاب إلى التراجع، خصوصا في ظل تصريح مستشار للرئيس سعيّد لقناة تلفزة أجنبية، أن الأخير وجّه نحو تعليق العمل بدستور 2014، وتغيير النظام السياسي إلى نظام رئاسوي، ما جعل أحزابا عديدة ناصرته يوم 25 يوليو تعلن أنها باتت أكثر يقينا من أن الأمر لا يعدو أن يكون “انقلابا مقنّعا”.

كما أن مطالبة الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، نور الدين الطبوبي، يوم السبت الفارط، سعيّد باحترام الدستور والبحث عن حلول تحت سقفه، والتوجه إلى انتخابات تشريعية مبكرة، عدّت تحولا جذريا، وهو الذي كان أول من ساند إجراءات سعيّد الذي خصّه باستقبال مباشرة إثر الانقلاب.

يدرك محيط سعيد أن المناخ يتغير، والمزاج الشعبي يحتقن أكثر فأكثر، فالحال أن المنجز بعد شهرين ما زال ضئيلا، فحملة الفساد على الرغم من أهمية الرؤوس التي طاولتها لم تتجرأ بعد على الحيتان الكبيرة، ولم تشمل المؤسسات الحكومية التي أصبحت قلاعا حصينة تتحطّم على صخرها أي محاولةٍ للاقتراب، كما لم تخلُ هذه الحملة من تجاوزاتٍ أخلاقية وأمنية، وقد طاولت مخازن خضروات وحديد وغيرها بشبهة الاحتكار التي لم تكن دوما شفافة أو دقيقة.

يضاف إلى ذلك أن الأسعار شهدت ارتفاعا جنونيا، مقارنة بالمدة التي سبقت تاريخ 25 يوليو، فقد كانت استجابة التجار إلى دعوات بتخفيض الأسعار محدودة، بل عبّر بعض منهم عن امتعاضه، وهم من اكتووا بداء الركود الذي ضربهم في الصميم في سنتي الجائحة.

ويحدث ذلك كله مع تزايد الاعتداءات على الحريات، وانتهاك عديدٍ من الحقوق الفردية والجماعية. وتبدو الحصيلة هزيلة، خصوصا في ظل إدارة تواصلية وإعلامية كارثية للإجراءات التي بدا فيها الرئيس متعاليا على الجميع، لا يحتاج إلى شريك، ولو كان مؤيدا له.

أجبرت ردود الأفعال تلك الرئيس على تصحيح الموقف، حينما اضطرّ إلى التراجع مجدّدا، ففي زيارة إلى شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة تونس، ساعاتٍ قليلة، بعد انتحار مواطن حرقا أمام مبنى وزارة الداخلية، صرح قيس سعيّد أنه لن يتأخر طويلا في تعيين رئيس الحكومة، وأن الدساتير قابلة للتعديل، في إشارة إلى مخاوف بعضهم من تعليق الدستور، والتوجه نحو صياغة دستور جديد، تتعهد بها لجنة من خبراء القانون الدستوري المقرّبين منه، حسب تصريحات بعض منهم، وتأكيدات مستشاره وليد الحجّام.

وبحسب مراقبين يدرك قيس سعيد أن الضغوط الداخلية والخارجية تسارعت وتكثفت، وهو اللاعب الوحيد الذي غدا يلعب في الوقت البديل، ولم يسجل أهدافه، بل يخشى أن تُسجّل في مرماه أهداف قاتلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق