
يتابع رئيس الجمهورية قيس سعيد خطواته لتكريس الحكم الفردي المطلق في تونس وإخضاع كافة السلطات تحت سيطرته منذ 25 يوليو/تموز الماضي.
بدأت سعيد خطواته بحل الحكومة وتجميد البرلمان ومصادرة حق التشريع من قبل رئيس الجمهورية مستخدما أسلوب بث خطاب الكراهية وتقسيم التونسيين، وإعلان الحرب صراحة على الدستور وعلى السياسة وعلى الأحزاب والآليات الديمقراطية ومؤسساتها.
ثم تابع مشوار الحكم الفردي المطلق بإلغاء استقلالية القضاء ومجلسه الأعلى، ليمنح نفسه صلاحية تعيين القضاة وإعفائهم وترقيتهم بمرسوم رئاسي يحل مكان القوانين التي يقرها المشرعون ويعدلونها.
وشكل تجريد القضاء من استقلاليته لخطوة الأكثر خطورة في طريق إعادة حقبة الديكتاتورية في تونس، وهو ما يواجَه بمقاومة لا تزال متمسكة بالسلمية طريقاً لإعادة العمل بالدستور والنظام والديمقراطية.
لكن تحالف قيس سعيد مع أجهزة الأمن لا يزال أقوى من أي طرف آخر، كذلك حال مفعول الشعبوية التي لا تزال سلاح رئيس الجمهورية.
وبعد تعليق عمل البرلمان، ثم الإطاحة بالحكومة وتعيين حكومة جديدة وتنصيب نفسه مسؤولاً عنها، اتجه سعيّد هذه المرة لمحاولة تركيع القضاء، عبر الإطاحة بالمجلس الأعلى للقضاء، وتعيين آخر مؤقتاً، ومنح نفسه صلاحيات واسعة بالتعيينات القضائية وإعفاء أي قاضٍ من منصبه، مع منع القضاة من الإضراب، ليتحول سعيّد إلى وصي على المؤسسة القضائية في البلاد.
وبهذا يكون الرئيس التونسي قد أتمّ السيطرة على كل المؤسسات الدستورية، وجعل القضاة مرتهنين له يعملون تحت طائلة الخوف، وأنشأ مجلساً أعلى للقضاء تابعاً له وينخرط في تنفيذ السياسات التي يريدها.
واختزل سعيّد المجلس الأعلى المؤقت الجديد في 21 عضواً معينين، موزعين على 3 مجالس قضائية (القضاء العدلي، والمالي والإداري)، في مقابل التركيبة السابقة للمجلس الأصلي التي كانت تضم 45 عضواً.
ويتكوّن كل مجلس من المجالس الثلاثة من 7 قضاة، 4 يعيّنون بحسب صفاتهم الوظيفية، و3 قضاة متقاعدين يعيّنهم رئيس الجمهورية، عكس المجلس المحلول الذي كان ثلثا أعضائه منتخبين بشكل مباشر من القضاة بإشراف هيئة الانتخابات.
كما أبعد سعيّد من تركيبة المجالس المؤقتة، المحامين وعدول التنفيذ والإشهاد وأساتذة القانون والجامعيين أو أي مهن أخرى غير قضائية، ليصبح مجلساً صرفاً للقضاة، وهو ما تعترض عليه كل هذه المهن، لأنها تعتبر أنها جزء لا يتجزأ من منظومة العدالة.
ولاقى المرسوم الجديد رفضاً واسعاً في تونس. وأكد رئيس المجلس الأعلى للقضاء الذي أعلن سعيّد حله، يوسف بوزاخر، أن المرسوم الجديد غير دستوري وينهي ضمانات استقلالية القضاء، لأنه لم يعد هناك فصل بين السلطتين التنفيذية والقضائية.
من جهته، أعرب رئيس جمعية القضاة التونسيين أنس الحمادي عن خشيته من قرارات انتقامية، وتعهد بتحركات لمواجهة قرارات سعيّد. وأضاف الحمادي: “لدينا خشية كبيرة من مجزرة في القضاء بموجة إعفاءات للقضاة بطريقة أحادية. سنمضي قدماً في حماية السلطة القضائية الشرعية المستقلة، وسنعلن لاحقاً نضالاتنا”.
وكانت جمعية القضاة التونسيين قد طالبت قيس سعيّد، بالتراجع عن قراره حل المجلس الأعلى للقضاء، والسماح بعودته للعمل، وذلك خلال اجتماع لها في العاصمة لبحث وضع السلطة القضائية في البلاد، معلنة تشكيل خلية أزمة لمتابعة تطورات الوضع القضائي.
وجدّد القضاة التونسيون خلال الاجتماع “رفضهم المطلق المساس بمقتضى المراسيم بالبناء الدستوري للسلطة القضائية خارج إطار مبادئ الشرعية، والتأسيس لوضع يتعارض مع الدستور ومع مصلحة العدالة وحقوق المواطنين والضمانات الهيكلية والوظيفية المكفولة للقضاة”.
وفي ردود الفعل الحزبية، اعتبر رئيس كتلة حركة “النهضة”، والمتحدث باسم الحركة، عماد الخميري، أن “مرسوم القضاء المؤقت تكريس فعلي وتدشين عملي لقضاء سعيّد، حيث التراجع عن كل المكتسبات التي ناضل من أجلها التونسيون والتونسيات في قضاء مستقل”.
وأضاف أنه “لا علاقة لهذا المرسوم بالإصلاح، وإنما تحركه رغبة سعيّد في تكريس حكم فردي ستكون له عواقب وخيمة على مستقبل البلاد”.
بدوره، كتب رئيس حزب “الأمل” ومنسق مبادرة اللقاء الوطني للإنقاذ، أحمد نجيب الشابي، على “فيسبوك”، أن “عقبة أخرى تنزاح على طريق العودة إلى الحكم المطلق، في كساء شعبوي رديء هذه المرة. ثم بعد؟ سوف يدفع المجتمع، وفي مقدمته النخب بلا شك، ثمناً باهظاً من الألم والشدة والتضحية بالنفس والنفيس”.
في هذه الأثناء يسارع قيس سعيد الخطى ويستعجل الزمن، لاختصار مراحل في طريقه إلى تكريس مشروعه السياسي، قبيل أشهر من الاستفتاء في يوليو/تموز المقبل، ومن الانتخابات التي أعلن عنها نهاية هذا العام في ديسمبر/كانون الأول.
ويداهم الوقت مشروع سعيّد المتعثر، مع الضغوطات الداخلية والخارجية، وتتكاثر على مكتب حكومته المطالب الاقتصادية والاجتماعية الحارقة التي لا تنتظر، بينما خزائن الدولة فارغة، والمانحون يرفضون مد يد المساعدة إلى حين الاستجابة للمطالب السياسية.
وذلك في وقت يتحدّى الرئيس سعيّد الجميع، ويطلب عدم التدخل في الشأن الداخلي، ويسخر من التصنيفات الاقتصادية، ويحذر بوضوح، الدول الكبرى، من تجاوز حدودها، لأن تونس “ليست ضيعة ولا بستاناً” على حدّ تعبيره.
ويدرك سعيّد أنه سيكون قريباً جداً في مواجهة الحقيقة الاقتصادية، وسيصطدم بأفواه مفتوحة تنتظر تحقيق الوعود، ولذلك فهو يضع خطة بطريقين، مفاوضة صندوق النقد الدولي وتقديم كل التنازلات الممكنة، وحسم ملف الصلح الجزائي مع رجال الأعمال وإنعاش الخزينة، وهو ما يفسر استعجاله حلّ المجلس الأعلى للقضاء، ووضع آخر على المقاس يتيح له ذلك، بحكم أن المجلس الشرعي عارض مشروع الصلح الذي اقترحه سعيّد بسبب مخالفته للقانون.



