أخبار تونسرئيسي

استبداد قيس سعيد: تهديد آخر معاقل المجتمع المدني في تونس

في خضمّ أزمة سياسية وحقوقية خانقة، تجد الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان نفسها اليوم في قلب عاصفة جديدة تهدد آخر معاقل المجتمع المدني في البلاد.

فبعد سنوات من النضال من أجل الحفاظ على استقلالها وسط تقلبات الأنظمة المتعاقبة، تواجه الرابطة الآن محاولات تطويع وإرباك، تأتي في سياق سياسي متوتر وهيمنة متصاعدة للسلطة التنفيذية بقيادة الرئيس قيس سعيّد.

تأتي هذه الهجمة في وقت تشهد فيه تونس تقليصاً واضحاً للهامش الديمقراطي، وتراجعاً خطيراً في مجال الحريات، ما دفع عدداً من المنظمات غير الحكومية إلى دق ناقوس الخطر بشأن مستقبل العمل الحقوقي في البلاد.

ومع أن الرابطة استطاعت، بصعوبة، الخروج من مؤتمرها الأخير موحدةً نسبيًا، فإن حجم التحديات التي تواجهها اليوم يفوق مجرد انقسامات داخلية، ويتجاوز حدود الخلافات الأيديولوجية القديمة بين مكوّناتها.

حملة ضغط من الداخل والخارج

وفق شهادات من داخل المنظمة، فإن محاولات الإرباك لم تأت فقط من جهات سياسية خارجية، بل أيضًا من داخل بعض هياكلها، حيث ظهرت أصوات تتهم القيادة الحالية بـ”التساهل” تجاه الإسلاميين، بل والدفاع عنهم، في وقت يُنظر إليهم من قبل خصومهم على أنهم “أعداء الوطن”.

ويشير رئيس الرابطة الحالي إلى وجود حملة تشويه تقودها أطراف ذات خلفية أيديولوجية، تحاول فرض أجندتها داخل المنظمة، ومنعها من اتخاذ مواقف مبدئية في قضايا الاعتقال التعسفي والتضييق على المعارضين.

ويبدو أن بعض هذه الضغوط يقودها جناح من حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد، المعروف بعدائه التاريخي للإسلاميين وبتحالفه غير المعلن مع سلطة قيس سعيّد. هذا الجناح، بحسب مصادر حقوقية، يحاول جرّ الرابطة إلى التواطؤ أو الصمت، تحت ذريعة أن الدفاع عن معتقلي النهضة أو غيرهم من الإسلاميين يُعدّ مساندةً لهم سياسياً.

الانتماء الإيديولوجي مقابل المبادئ الحقوقية

تواجه الرابطة اليوم معضلة قديمة جديدة: هل يمكن للنشطاء الحقوقيين أن يتجرّدوا من انتماءاتهم الأيديولوجية عند الدفاع عن الضحايا؟ في السنوات الماضية، حاولت الرابطة وضع حد لهذا الجدل، عندما تبنت ميثاقًا داخليًا ينص على عدم التمييز بين الضحايا، والدفاع عن حقوق الإنسان بغضّ النظر عن المعتقدات أو الانتماءات الحزبية.

لكن ما يحدث اليوم يكشف هشاشة هذا التوافق، ويعيد إلى السطح نفس الصراعات التي عرفتها المنظمة منذ تأسيسها عام 1977. ففي اللحظة التي يُعتقل فيها المعارضون دون محاكمات عادلة، ويُمارس فيها التمييز السياسي داخل السجون، يصبح موقف الرابطة اختبارًا حقيقيًا لمدى التزامها بمبادئها، بعيدًا عن الحسابات السياسية أو الشعبية.

الرابطة تحت المجهر… وصراع على الاستقلالية

في خضم هذا التصعيد، تبرز مخاوف من أن تفقد الرابطة استقلاليتها، التي تُعدّ رأس مالها الرمزي والميداني. ففي سياق تُعاني فيه منظمات عديدة من الشلل أو الترويض، تبقى الرابطة أحد آخر الأصوات التي ما زالت ترفع لواء الحقوق والحريات في البلاد.

ويؤكد نشطاء من داخل المنظمة أن الضغوط المتزايدة تأتي في وقت حرج، حيث تشهد تونس ملاحقات قضائية بالجملة بحق معارضين وصحفيين ونقابيين، فيما تتعالى الأصوات المنددة باستخدام القضاء كأداة لترهيب الخصوم. وفي هذا السياق، فإن صمت الرابطة أو تحييدها قد يُفسّر كضوء أخضر للمزيد من الانتهاكات.

ذاكرة النضال… وأمل الصمود

يذكّر حقوقيون تونسيون بتاريخ الرابطة الطويل في مقاومة الديكتاتوريات، من بورقيبة إلى بن علي، ومرورًا بالمراحل الانتقالية الصعبة بعد الثورة. ويؤكدون أن كل محاولات تحجيم المنظمة أو شلّها سابقًا باءت بالفشل، بفضل صمود أعضائها وتشبّثهم بالدفاع عن المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان.

ويقول أحد القدماء في المنظمة: “عندما تكون في موقع المسؤولية داخل رابطة حقوقية، لا يمكنك انتقاء الضحايا بناءً على قناعاتهم. الدفاع عن الإسلاميين لا يعني مساندتهم، بل احترام حقوقهم كمواطنين. وهذه معركة أخلاقية قبل أن تكون سياسية”.

بين الإقصاء والدفاع عن الدولة المدنية

في خضمّ هذا التوتر، يبرز سؤال أساسي: هل يمكن إنقاذ الدولة المدنية في تونس دون حماية المدافعين عنها؟ يرى مراقبون أن استهداف الرابطة جزء من معركة أوسع لتقويض كل أشكال الرقابة المدنية، وتحويل الدولة إلى كيان منغلق على ذاته، لا يقبل النقد أو المساءلة.

لهذا، فإن المعركة اليوم لا تخصّ الرابطة فقط، بل كل المؤمنين بالديمقراطية في تونس. وإذا ما استُهدفت هذه القلعة الحقوقية وسقطت، فإن ما تبقى من المجال العام قد يُغلق تمامًا. لذا، فإن دعم الرابطة في هذه اللحظة ليس خيارًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة وطنية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق