رئيسيسياسي

تعديل القانون الانتخابي.. هل سيفكك المشهد السياسي المعقد في تونس؟

جددت أوساط سياسية تونسية دعواتها لمراجعة القانون الانتخابي وتدارك النقائص التي تشوبه، فيما يتساءل المتابعون ما إذا سيحل تعديل المنظومة الانتخابية الأزمة السياسية التي ترزح تحت وطأتها البلاد، أم أن الأزمة أعمق بكثير بسبب ضبابية النظام السياسي القائم والذي سبّب حسب رأي كثيرين حالة الانسداد بالمشهد.

ودعا نواب خلال جلسة برلمانية خصصت لمناقشة الإشكاليات التي تطرحها المنظومة الانتخابية إلى تحديد الطريقة التي سيتم اعتمادها لاحتساب الحاصل الانتخابي ونسبة الحسم (العتبة) ونظام الاقتراع.

والعتبة الانتخابية هي الحد الأدنى من الأصوات التي يشترط القانون الحصول عليها من قبل الحزب أو القائمة ليكون له حق المشاركة في الحصول على أحد المقاعد المتنافس عليها في الانتخابات.

كما تمّ الاتفاق على تكوين فريق عمل يضم عددا من أعضاء لجنة النظام الداخلي والحصانة والقوانين البرلمانية والقوانين الانتخابية بتمثيلية واسعة من مختلف الكتل وغير المنتمين، يكلّف بتجميع مختلف المقترحات المقدمة في الغرض ويتولى لاحقا عرض مخرجات أعماله على أنظار اللجنة.

معالجة النقائص

ويهدف عمل اللجنة إلى معالجة النقائص التي تشكو منها المنظومة الانتخابية وصياغة مقترحات بهدف إصلاحها لضمان نزاهة العملية الانتخابية وتمثيلية ناجعة تعكس إرادة الناخبين.

ويعكس توقيت الدعوة إلى التعديلات في ظل معركة ليّ الذراع المستمرة بين الرئاسة والحكومة على خلفية أزمة اليمين الدستورية ورفض الرئيس قيس سعيّد تعديلا وزاريّا اقترحه رئيس الحكومة هشام المشيشي امتثالا للترويكا الحاكمة، محاولة لتدارك مثل هذه الأزمات خلال الاستحقاقات الانتخابية القادمة.

ويجمع متابعون على أن أبرز أسباب الأزمة في تونس تكمن في نظامها الانتخابي الذي يمنع استفراد أيّ حزب بغالبية حكم ويؤدي قانون أكبر البقايا دوما إلى برلمان مفتّت، الأمر الذي يقود في النهاية إلى ارتهان الحكومة إلى الأحزاب القوية مما يصعّب مهامها.

ويعتقد سياسيون وخبراء قانون أنه بوسع تعديل القانون الانتخابي أن يخفف من وطأة الصراعات السياسية، وأن يعيد الاستقرار الحكومي من خلال القضاء على التشتت البرلماني والحزبي.

ويرى السياسي والنائب السابق صحبي بن فرج أن “تعديل القانون الانتخابي يمكن أن يحل جزءا كبيرا من الأزمة”.

ويلفت إلى أن “المشكلة الرئيسية هي في انعدام أو استحالة تكوين أغلبية مستقرة قادرة على الحكم، وهي ناجمة عن هذا القانون الذي يعتمد على أكبر البقايا”.

وتابع “هذا النظام يشجع العديد من القوائم الصغيرة على المشاركة في الانتخابات، وهو من شأنه أن يفرز تشتتا للأصوات”.

وفيما يبدو من الصعب تغيير النظام السياسي (شبه برلماني) حاليا بسبب حدة التجاذبات إضافة إلى استفادة الأحزاب القوية مثل حركة النهضة التي تقود الائتلاف الحكومي ممّا يتيحه لها من فرص للتموقع وفرض أجندتها في الحكم، يعتقد بن فرج أنه بالإمكان تعديل القانون الانتخابي حيث يحتاج إلى 109 أصوات ولا يشترط تركيز المحكمة الدستورية، فيما يحتاج تغيير النظام السياسي إلى 145 صوتا ووجود المحكمة وهو أمر صعب على مستوى إجرائي، حسب تعبيره.

ويبيّن أن “المشكلة الرئيسية هي في انعدام تطابق القانون الانتخابي مع النظام السياسي”.

مع ذلك يستبعد بن فرج التغيير في ظل الأوضاع الحالية، معلقا “تواصل صراع الدّيكة ينبئ بانفجار الوضع أكثر”.

تعديل القانون الانتخابي

وفيما يقول المعارضون لتعديل القانون الانتخابي إنه ينطوي على إرادة من الأحزاب المهيمنة لإقصاء الأحزاب الصغرى وحرمانها من التمثيلية في البرلمان، يؤكد خبراء قانون أن المشهد السياسي بحاجة إلى التعديل للتخفيف من حدة الأزمة.

وتشير أستاذة القانون الدستوري منى كريم الدريدي إلى أنه “من شأن تعديل القانون الانتخابي أن يحل خمسين في المئة من المشكلة المتعلقة بالنظام السياسي”.

وتصف النظام الحالي بغير المتوازن حيث أحدث هيمنة للبرلمان على دواليب الحكم، فيما لا توجد آليات لمراقبة البرلمان أو حله إلا في حال عدم حصول الحكومة على الثقة.

ويعتمد النظام الانتخابي منذ 2011 على النسبية مع أكبر البقايا، حيث تستنتج الدريدي أن التجربة أظهرت أنه غير قادر على إفراز أغلبية برلمانية واضحة ومنسجمة قادرة على تشكيل حزام سياسي للحكومة يسمح لها بالعمل والقيام بإصلاحات كبرى.

وتتابع “طاقة الحكومة تهدر في الحفاظ على حزام سياسي وإرضاء الأحزاب مقابل القيام بتنازلات حتى لا يتفكك في أي لحظة”.

وضع حكومي هش

وأمام هذا الوضع الحكومي الهش تعتقد أن مراجعة القانون الانتخابي خطوة ضرورية في اتجاه إفراز أغلبية برلمانية قادرة على الحكم.

وفي حين ترى أطراف أن تعديل القانون الانتخابي يعالج الأزمة، تذهب أطراف أخرى إلى أن الأزمة أعمق وتتطلب تعديل النظام السياسي بعد أن تحولت المشكلة إلى أزمة سياسية ودستورية عنوانها الصراع على الصلاحيات بين رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان.

وتنتهج البلاد منذ ثورة 2011 نظاما سياسيا هجينا بين البرلماني والرئاسي ما ساهم في تعميق الخلافات بين رأسي السلطة في ما يتعلق بالصلاحيات الدستورية التي كشف عنها مأزق التعديل الوزاري الأخير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق