اقتصادرئيسي

شبح الإفلاس يخيّم على تونس

”شبح الإفلاس يخيّم على تونس”، هذا ما أجمعت عليه مصادر رسمية وطيف واسع من الخبراء الاقتصاديين المتابعين للشأن المالي الوطني، في ظل أزمة مالية مستفحلة وغير مسبوقة، شبَّهها وزير المالية والاقتصاد التونسي علي الكعلي بأزمة 1881، التي عبّدت الطريق لدخول الاحتلال الفرنسي إلى تونس.

عجز في ميزانية الدولة لم تعش على وقعه تونس منذ 62 سنة، وصفه النائب بالبرلمان التونسي ومقرر لجنة المالية فيصل دربال بـ”المفزع” إذ بلغ العجز 13.4% ونسبة نموّ سالب بنحو 8%.

مؤشرات عدّة تبيّن أن العجز المتفاقم لميزانية الدولة وللميزان التجاري قد يصبح خارج السيطرة، ما قد يؤثر على الالتزامات المالية للدولة التونسية مع الجهات الدولية المانحة والبنوك الأجنبيّة، علماً أنّ الدين الخارجي قد تجاوز عتبة 70% من الناتج القومي الإجمالي.

أمام هذه المؤشرات المالية والاقتصادية الخطيرة، وجدت الحكومة التونسية برئاسة هشام المشيشي نفسها أمام حتمية توفير 10 مليارات دينار (3.6 مليار دولار) وطلبت من البنك المركزي التونسي توفير المبلغ في إطار قانون الموازنة التعديلي لسنة 2020 الذي تقدمت به إلى البرلمان.

جُوبِه طلب الحكومة بالرفض من قِبل محافظ البنك المركزي، الذي علَّل قراره بأن هذه الخطوة ستسبب ارتفاعاً في نسبة التضخم، وتمس احتياطي الدولة من العملة الصعبة، ودعا الحكومة لإعادة الإنتاج بالقطاعات الرئيسية للاقتصاد الوطني (الفوسفات والنفط) مقابل دعمه لميزانية الدولة.

أمام قرار البنك المركزي وصعوبة إيجاد الموارد المالية المطلوبة، سحبت الحكومة مشروع قانون الموازنة التعديلية بطلب من لجنة المالية بالبرلمان لإعادة النظر فيه.

وتعود جذور الأزمة الاقتصادية والمالية في تونس إلى عدة عوامل على رأسها عدم الاستقرار السياسي الذي تشهده البلاد منذ عشر سنوات وانتشار الفساد وغياب الحوكمة الرشيدة للموارد المالية، إضافة إلى التهرب الضريبي للأفراد والمؤسسات الاقتصادية العمومية والخاصة وغياب رؤية واضحة للحكومات المتعاقبة في إيجاد حلول جذرية للمشاكل الاجتماعية وسوء تصرفها في التعامل مع الاحتجاجات الاجتماعية المتواصلة والمتصاعدة، التي أدت إلى تعطيل وسائل الإنتاج في القطاعات الحيوية للاقتصاد التونسي على غرار تعطُّل إنتاج النفط والفوسفات في الجنوب التونسي.

بنية هيكلية ضعيفة

يرى الخبير الاقتصادي والقيادي بحزب قلب تونس صادق جبنون في تصريح لقناة TRT عربي أن الأزمة التي تعيشها تونس هي ”نتيجة البنية الهيكلية الضعيفة للاقتصاد التونسي، والخيارات الخاطئة التي جرى اتخاذها منذ 2014، بل تعود إلى سنة 2011 من خلال التوظيف العشوائي في القطاع العام وإقرار الميزانيات التكميلية الموجهة أساساً إلى الاستهلاك، وخلاص الأجور على حساب ميزانية الاستثمار وخلق موارد مالية جديدة”.

كما أرجع جبنون أسباب الأزمة إلى ”البيروقراطية والضغط الجبائي المرتفع للغاية وهو الأعلى بالقارة الإفريقية”، مشيراً إلى أن عوامل أخرى زادت حدّة الأزمة كجائحة كورونا التي كشفت مواطن ضعف الاقتصاد التونسي وانعكست على الوضع الاجتماعي والاقتصادي عموماً وبالتالي على ميزانية الدولة”.

في السياق ذاته اعتبر جبنون أن ”عملية التحفيز الكمي بإعادة شراء السندات السنوية من قبل البنك المركزي في المطلق عملية ممكنة على الرغم من خطورتها، لأنها في غياب إنتاج واقتصاد قويين ستؤدّي إلى تضخّم غير متحكم فيه ومزيد من انحدار قيمة الدينار التونسي وتخفيض الترقيم السيادي لتونس، مما يجعلها خارج دائرة التعامل الدولي بفقدان مصداقيتها أمام المانحين الدوليين”، حسب تقديره.

ويقترح الخبير الاقتصادي ”إعادة النظر جذرياً في هيكلة الاقتصاد التونسي وكيفية التصرف في الميزانية”، داعياً ”البنك المركزي لإسراع إنجاز القوانين الضرورية التي يُمكنها إخراج الاقتصاد التونسي من حالة الركود أهمها مجلة الصرف”.

كما أكد أن بإمكان البنك المركزي القيام بسياسة تحفيز كمّي جزئي بقيمة 5 مليارات دينار تُمكّن من المساهمة في الخروج من أزمة الميزانية”، لافتاً إلى أن الإشكال في تونس ليس إشكال ميزانية بل هو إشكال بنية الاقتصاد التونسي الذي وصل في الثلاثي الأخير إلى سالب 21% وقد يختم هذه السنة بسالب 10%.

وضعية كارثية

من جهته أكّد المستشار المالي والخبير الاقتصادي الدولي والباحث بجامعة أكسفورد نادر حدّاد في حديثه مع TRT عربي أن الحالة التي عليها الآن الاقتصاد التونسي “صعبة وقد تكون خطيرة وكارثية في صورة ما إذا عجزت الدّولة عن سداد التزاماتها الماليّة”، معتبراً أن ”الأزمة الاقتصادية جاءت نتيجة تراكمات قديمة واختلال حاصل في ميزانية الدولة منذ سنة 2011، بانتهاج الحكومات المتعاقبة سياسة التوظيف العشوائي في القطاع العام والاقتراض الأجنبي لتسديد الأجور وتغطية الزيادة من دون الاهتمام بالاستثمار في البنية التحتيّة لدعم الانتصاب للحساب الخاص من خلال استثمارات محلية وأجنبية في المناطق المهمشة والفقيرة في إطار التمييز الإيجابي بين المناطق”.

كما أرجع أيضاً هذه الأزمة إلى عدم ترشيد صناديق الدعم التي توجِّه مواردها إلى دعم قطاع الطاقة وبعض المواد الغذائية، ما جعل الدولة عاجزة عن أن يكون لها رصيد مالي لمواجهة مثل هذه المخاطر الاقتصادية، إضافة إلى العمليات الإرهابية التي تعرضت لها تونس وأدت إلى نقص كبير في الموارد السياحية.

وخلص نادر حداد إلى القول إن ”جائحة كوفيد-19 ساهمت بدورها في تعميق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية جراء الشلل شبه التام في الحركة الاقتصادية والتجارية والمالية”.

يشار إلى أن حكومة هشام المشيشي توصلت الجمعة الماضية إلى اتفاق نهائي مع ”تنسيقية اعتصام الكامور” بمحافظة تطاوين جنوبي تونسي، استجيب بمقتضاه لمطالب اجتماعية لفائدة المنطقة، مقابل إعادة فتح محطة ضخ النفط بالكامور، وهي محطة رئيسية يمر منها إنتاج آبار النفط في الصحراء، وكان أغلقها محتجون بشهر يوليو/تموز الماضي، ليُستأنف النشاط السبت 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 بعد انقطاع دام نحو خمسة أشهر. ومن شأن هذ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق