أخبار تونسرئيسي

 تدهور أوضاع معتقلي الرأي في تونس: الصحافية شذى الحاج مبارك نموذجاً صارخاً للإهمال

تتزايد التحذيرات الحقوقية في تونس من تدهور أوضاع معتقلي الرأي داخل السجون، في ظل تصاعد مؤشرات الإهمال الطبي وسوء المعاملة، في وقت تستمر فيه السلطات في محاكمة صحافيين ونشطاء سياسيين تحت تهم فضفاضة، أبرزها “التآمر على أمن الدولة”.

وتبرز قضية الصحافية شذى الحاج مبارك كنموذج فاقع لهذا الانتهاك الممنهج، حيث تواجه الإهمال الصحي في سجن المسعدين بمحافظة سوسة منذ اعتقالها في يوليو/تموز 2023.

شذى، التي عملت في إحدى شركات الإنتاج الإعلامي، وجدت نفسها في قلب قضية سياسية ذات أبعاد أمنية، بتهم تتعلق بـ”تبييض أموال” و”التآمر”، في إطار ما يُعرف بقضية شركة “إنستالينغو”، التي طالت عدداً من الصحافيين ورجال الأعمال والمسؤولين السابقين.

إلا أن ما يدفع قضيتها إلى واجهة المشهد الحقوقي اليوم هو تدهور وضعها الصحي الحاد، وإعلانها الدخول في إضراب مفتوح عن الطعام احتجاجاً على حرمانها من الحق في العلاج.

وبحسب ما نقلته نقابة الصحافيين التونسيين، تعاني شذى من آلام شديدة في العمود الفقري واليد، إلى جانب نوبات من ارتفاع ضغط الدم، نتيجة سلسلة من الوعكات الصحية التي لم تتلقّ على إثرها أي عناية طبية مناسبة.

وعبّرت النقابة في بيان شديد اللهجة عن “قلقها العميق” إزاء المخاطر الجسدية والنفسية التي تهدد حياتها، محملة وزارة العدل والإدارة العامة للسجون المسؤولية الكاملة عن أي مضاعفات قد تطرأ على حالتها.

ووصفت النقابة ما تتعرض له شذى الحاج مبارك بأنه “انتهاك صارخ للمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق السجناء”، إضافة إلى كونه “خرقاً واضحاً للقانون التونسي”، في إشارة إلى القانون رقم 52 لسنة 2001 المنظم للسجون، والذي ينص صراحة على الحق في العلاج المجاني داخل السجون أو في المستشفيات المختصة عند الحاجة، بناءً على توصية من طبيب السجن.

لكن ما يزيد من وطأة هذا الملف هو اتساعه ليشمل عشرات المعتقلين الآخرين في ظروف مشابهة، ما يشير إلى نمط ممنهج في التعامل مع معتقلي الرأي والمعارضين السياسيين.

ويتزامن ذلك مع مناخ سياسي متوتر منذ إجراءات 25 يوليو 2021 التي عززت من صلاحيات الرئيس قيس سعيد، وسط اتهامات متزايدة باستخدام القضاء لتصفية الخصوم السياسيين وتكميم الأصوات الإعلامية الناقدة.

تكرار حالات الإهمال الصحي ليس جديداً في السجون التونسية، لكنه بات يكتسب طابعاً أكثر خطورة منذ أن أصبحت الاعتقالات تطال صحافيين ونشطاء، في قضايا ذات طابع سياسي واضح.

وتؤكد تقارير منظمات حقوق الإنسان، مثل “هيومن رايتس ووتش” و”منظمة العفو الدولية”، أن ظروف الاحتجاز في تونس غالباً ما تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الدولية، خصوصاً في ما يتعلق بالرعاية الصحية.

في هذا السياق، جدّدت نقابة الصحافيين دعوتها إلى إطلاق سراح الصحافية شذى الحاج مبارك فوراً، والسماح لها بتلقي العلاج في ظروف إنسانية ملائمة.

وأكدت أن “متابعتها في حالة سراح لا تُشكل أي تهديد للأمن العام”، وأن استمرار احتجازها بهذه الطريقة يُعد “شكلاً من أشكال العقاب السياسي المقنّع”، الذي لا يمتّ بصلة إلى عدالة حقيقية.

قضية شذى الحاج مبارك لم تعد مجرد ملف قانوني أو خلاف على التكييف القضائي، بل تحولت إلى مرآة عاكسة لأزمة أعمق في منظومة العدالة والحقوق في تونس، حيث تتقاطع الانتهاكات الصحية مع الاستهداف السياسي، في سياق تراجعت فيه الحريات الصحافية وحرية التعبير بشكل ملحوظ.

في النهاية، تُعيد هذه القضية التذكير بأن معركة الحريات في تونس لا تزال في صلب الرهانات الكبرى، وأن تدهور أوضاع معتقلي الرأي، خاصة النساء منهم، يشكل اختباراً حقيقياً لمدى التزام السلطات التونسية بالمعايير الدستورية والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق