
يدفع نظام القمع الداخلي الذي يكرسه رئيس الجمهورية قيس سعيد بقادة المعارضة في تونس للجوء إلى المنافي والتموضع في الخارج لحشد جبهات ضد الاستبداد الحاصل في البلاد.
ويلاحظ أن نجاح ثورة الياسمين وإطلاق حراكا ديمقراطيا لافتا في تونس ساهم في عودة غالبية قيادات المعارضة في الخارج إلى البلاد قبل أن يتبدل الأمر مجددا في عهد قيس سعيد.
إذ بداية من 25 يوليو/ تموز 2021 تغير الوضع بالنسبة للمعارضة بعد أن فعّل قيس سعيد، الفصل 80 من دستور 2014، وأقر الإجراءات التي أصبحت معلومة حلا للبرلمان وتجميدا للمؤسسات الدستورية وتضييقا للحريات لتُحكم البلاد بإجراءات قانونية تتمثل في المراسيم.
وقد تحولت هذه الإجراءات إلى مصدر تشريع وحيد، ما غيب، بحكم ذلك، سلطان السلطة التشريعية التي جرى تجميد عملها ضمن صلاحيات الحالة الاستثنائية والخطر الداهم اللذين تمر بهما البلاد، ويؤثران حتما على تسيير الشأن العام على المستوى السياسي.
إذ تعتبر هذه الحالة استثناءً، في الممارسة التنفيذية والتشريعية، ليتحوّل رأس السلطة، وهو رئيس الجمهورية، إلى مرتبة المشرّع وصاحب سلطان التنفيذ.
ولعل أخطر ما صدر من ترسانة هذه المراسيم المرسوم 54 الصادر في الجريدة الرسمية يوم 16 سبتمبر/ أيلول 2022، ليثير جدلا قانونيا وسياسيا ومجتمعيا واسعا.
وذلك لما تضمّنته فصوله من استعادة لسنن الدكتاتورية في قمع الأصوات والمخالفين، بعد تكييف فصوله الفضفاضة واستعمالها سيفا مسلطا على الجميع، وفق آراء عديد من الأطراف ومنظمات المجتمع المدني.
وقد اعتبرت هذه الأطراف أن هذا المرسوم الوحش صيغ داخل الغرف القانونية المغلقة، وأضحى أمرا واقعا، حين فرضته السلطة بما حولته من قانون لصد الجرائم السيبرانية إلى قانون قمع حرية التعبير، وضرب الأصوات المناهضة للسلطة ومكوّناتها.
ولم يشمل هذا القانون فئة بعينها، حيث بات الصحافيون والمحللون والسياسيون وناشطو المجتمع المدني والنقابيون والمدوّنون تحت مقصلة المرسوم وما حمله من خطر داهم بعد فتحه أبواب السجون أمام أمناء عامين لأحزاب معارضة وطلبة ومحامين وصحافيين، ليفتح كذلك بابا مشرعا لهجرة معارضة جديدة باتجاه باريس مرة أخرى وغيرها.
والمؤكّد أن أعداد معارضي إجراءات قيس سعيّد التي فيها انقلاب على الشرعية وتأسيس لسلطة استبدادية، تتزايد من يوم إلى آخر في أوروبا والخليج، حيث استعاد قادة حركة النهضة مواقعهم التاريخية في الخارج التي عرفوها قبل الثورة.



