أخبار تونسرئيسي

سحب بطاقات العلاج المجاني يفضح هشاشة سياسات قيس سعيد

تشهد تونس موجة غضب اجتماعي متصاعدة بعد قرار سحب بطاقات العلاج المجاني والمنح الاجتماعية من آلاف العائلات، في خطوة وُصفت بأنها أربكت الفئات الهشة وكشفت حدود السياسات الاجتماعية التي يعتمدها نظام قيس سعيّد.

وأعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية أنها سحبت منذ عام 2023 نحو 62 ألف بطاقة علاج مجاني، ضمن عملية مراجعة قالت إنها تهدف إلى “تحيين قواعد البيانات وتأكيد الاستحقاق”. لكن هذا التبرير التقني لم يخفف من صدمة العائلات التي وجدت نفسها فجأة خارج منظومة الحماية، من دون إشعار مسبق أو مسارات واضحة للطعن.

وقد أثار القرار جدلاً واسعاً داخل البرلمان، حيث طالب نواب الحكومة بتوضيحات عاجلة حول المعايير المعتمدة، وسط اتهامات بغياب الشفافية وتضارب في آليات الاستهداف، في وقت تعاني فيه البلاد من ضغوط اقتصادية متفاقمة.

وتكشف شهادات المتضررين حجم الأزمة. تقول هندة الناصري، وهي أم تعيل خمسة أفراد، إنها فوجئت بحرمانها من العلاج المجاني رغم معاناتها من أمراض مزمنة، فقط لأن إحدى بناتها حصلت على وظيفة محدودة الدخل.

وتؤكد الناصري أن وضع الأسرة لم يتحسن فعلياً، وأن باقي الأبناء لا يزالون في الدراسة، ما يجعل قرار سحب البطاقة “غير عادل”.

وتشير هذه الحالات إلى خلل جوهري في آليات التقييم، حيث يتم اعتماد مؤشرات جزئية لا تعكس الواقع الاجتماعي الكامل للأسر، ما يؤدي إلى إقصاء مستحقين فعليين من الدعم.

وتُعد بطاقات العلاج المجاني جزءاً من برنامج الأمان الاجتماعي الذي يستهدف الفئات الفقيرة وغير القادرة على تحمل تكاليف العلاج. لكن الأرقام الرسمية تكشف فجوة مقلقة، إذ لا يزال نحو 2.2 مليون تونسي، أي قرابة 19% من السكان، خارج أي تغطية صحية.

ورغم أن نحو 80% من السكان يتمتعون بشكل من أشكال التأمين الصحي، فإن جزءاً كبيراً من هذه التغطية يبقى محدود الفعالية، خاصة في ظل تدهور الخدمات الصحية ونقص الأدوية.

ويستفيد ما بين 800 ألف إلى مليون تونسي من بطاقات العلاج المجاني أو منخفض التكلفة، وهي شريحة تمثل العمود الفقري لمنظومة الحماية الاجتماعية. لكن سحب هذه الامتيازات من عشرات الآلاف يهدد بتوسيع دائرة الهشاشة.

وتزداد خطورة القرار في ظل تعقيد إجراءات الطعن، إذ يتطلب استرجاع البطاقة إعادة تقديم الملفات وانتظار أسابيع أو أشهر، ما يترك المرضى دون علاج في فترة حرجة. ورغم إعلان الوزارة فتح باب الاعتراض، فإن بطء الإجراءات وضعف التواصل يقللان من فعالية هذه الآلية.

في المقابل، تتصاعد الانتقادات السياسية. اعتبرت النائبة منال بديدة أن الحكومة تتبنى سياسة “معاقبة الفقراء”، مشيرة إلى أن بطاقات العلاج سُحبت من مستحقين حقيقيين، بينما لا يزال بعض غير المستحقين يتمتعون بالدعم.

ويرى خبراء أن ما يحدث يعكس تحولاً في السياسة الاجتماعية للدولة، حيث يتم تشديد شروط الانتفاع وتقليص دور اللجان الاجتماعية، في إطار محاولة لخفض الإنفاق العام.

ويؤكد خبير الحماية الاجتماعية بدر الدين السماوي أن تحديث قواعد البيانات أمر ضروري، لكنه يحذر من أن التشدد في المعايير قد يؤدي إلى إقصاء حالات تحتاج فعلياً إلى الدعم، داعياً إلى مزيد من الشفافية والتوضيح.

وتكشف هذه التطورات عن معضلة أعمق، حيث تواجه تونس ضغوطاً مالية كبيرة تدفعها إلى تقليص الإنفاق الاجتماعي، رغم ارتفاع مخصصات وزارة الشؤون الاجتماعية إلى أكثر من 4 مليارات دينار، بزيادة تفوق 17% مقارنة بالعام السابق.

لكن هذه الزيادة في الإنفاق لم تنعكس بالضرورة على تحسين الاستهداف، إذ لا تزال المنظومة تعاني من اختلالات، بين دعم عشوائي من جهة، وإقصاء مستحقين من جهة أخرى، في ظل تأخر مشروع السجل الاجتماعي الموحد.

ويرى مراقبون أن سياسات قيس سعيّد تعكس توجهاً نحو إدارة الأزمة المالية على حساب الفئات الأكثر ضعفاً، بدلاً من إصلاح جذري لمنظومة الدعم وضمان عدالة توزيعه.

كما يربط محللون بين هذه الإجراءات وتصاعد الضغوط الاقتصادية، بما في ذلك التضخم وارتفاع كلفة المعيشة، ما يجعل أي تقليص في الدعم بمثابة ضربة مباشرة لقدرة الأسر على الصمود.

ويكشف سحب بطاقات العلاج المجاني عن أزمة أعمق في منظومة الحماية الاجتماعية في تونس، حيث تتقاطع الضغوط المالية مع ضعف الحوكمة، في ظل غياب رؤية واضحة تضمن العدالة والشفافية.

ومع اتساع رقعة الفقر وتزايد الاحتقان الاجتماعي، يواجه نظام قيس سعيّد اختباراً حقيقياً في قدرته على إدارة الملف الاجتماعي، وسط مخاوف من أن تتحول هذه السياسات إلى عامل إضافي لزعزعة الاستقرار الداخلي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق