
احتدم الجدل في تونس، على خلفية تعيين قضاة في مناصب وزارية، وسط مخاوف من أن يهدد التداخل بين السياسة و سلطة القضاء، استقلالية العدالة في البلاد.
ويتعلق الأمر بمناصب وزارية يتولاها عدد من القضاة، على غرار القاضي محمد بوستّة الذي يتقلّد وزارة العدل، والقاضية ليلى جفّال التي تشرف على وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية، والقاضي أحمد عظّوم الذي يدير وزارة الشؤون الدينية، والقاضية حسناء بن سليمان التي تقلدت وزارة الوظيفة العمومية، والقاضية ثريا الجريبي التي تشغل خطة وزيرة مكلفة بملف العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني.
حيال ذلك، دعا رئيس جمعية القضاة التونسيين أنس الحمايدي، المجلس الأعلى للقضاء (هيئة دستورية تراقب استقلالية القضاء) إلى اجتماع عاجل، إلى النظر في المسألة.
وقال الحمادي في تصريحات صحفية، إن “رئيس الوزراء هشام المشيشي لم يستشر المجلس الأعلى للقضاء قبل تعيين قضاة في مناصب وزارية“ ، واصفا العملية بالخطيرة، داعيا إلى ضرورة التصدي لها.
ورأى أن ”القضاة الذين أصبحوا وزراء في الحكومة يمكن أن يساهموا في وضع قوانين تحد من سلطة القضاة، وبالتالي لا ينبغي التداخل في السلطات في البلاد“.
تحالفات غير طبيعية
وجاء تمرير الحكومة الجديدة في البرلمان التونسي نتيجة لتحالفات غير طبيعية، لكن التصويت لها جاء ضد الرئيس قيس سعيد الذي أكد عدم توازنه وعدم كفاءته بسبب شخصنته الأمور برفضه التعامل مع الأحزاب وإصرار محيطه بتعيين الوزراء المقربين له في هذه الحكومة.
ويرى مراقبون أن التحالف الذي يدعم الحكومة الجديدة هو تحالف مصالح لا يقوم على مصالح الدولة، بل ويضم أيضا العديد من رموز الفساد، مؤكدين أن الشعب التونسي ليس أمام حكومة قادرة على التصدي للتحديات خاصة الأزمة الاقتصادية وهي ليست حكومة ثورية أو للدفاع عن سياسات البلاد.
عملياً، الحكومة الحالية هي حكومة أمر واقع ومصالح مشتركة لتجاوز المرحلة الراهنة، ولكن ما يزيد من صعوبة المهمة أمام هذه الحكومة هو وجود الوجود الفاسدة داخل الحكومة، واستمرار الرئيس التونسي وبطانته بتصدير الشخصيات الفاسدة خدمة لمصالحه.
ويرى المراقبون أن أي تدهور للأوضاع السياسية والاقتصادية، يجب أن يتحمله بالدرجة الأولى الطبقة السياسية والرئيس قيس سعيد، والأحزاب السياسية التي شكلت هذه الحكومة.
سلطة سياسية
من جانبه، اعتبر الباحث في القانون الدستوري، رابح الخرايفي أن ”تعيين قضاة في مناصب حكومية يعني انتقال القاضي من سلطة إلى سلطة أخرى سياسية، وهو ما يلقي بظلال من الشك حول نزاهته“.
وقال رابح الخرايفي في تصريحات: إن ”القضاة في الأصل هم شخصيات مستقلة عن الشأن السياسي، و حيادها عن السلطتين التنفيذية والتشريعية شرط أساس لتحقيق العدالة في المجتمعات الديمقراطية، التي تسير تونس على ركبها“.
وشدد الخرايفي على وجوب استقالة القضاة من مهنتهم أثناء مباشرتهم لمسؤوليات سياسية، معتبرا أن جمع القضاة للصفتين السياسية و القضائية ”يفتح باب تدخل السلطة التنفيذية في السلطة القضائية“.
و اعتبر أنه ”كان من الأجدى أن يتولى العمل الحكومي، سياسيون محترفون، وأن يقع انتداب الوزراء من الأحزاب السياسية، وفي حال اللجوء إلى قضاة وجب أن يقدموا استقالتهم من القضاء“.
علاقات تكامل
بدوره، شدد أستاذ القانون الدستوري عطيل الماجري على أن النظام السياسي في تونس يفرق بين السلطات الثلاث، التنفيذية و القضائية والتشريعية، و يضع علاقات تكامل بينها دون تعسف لإحدى السلطات على الأخرى.
وأضاف عطيل الماجري في تصريحات صحفية أن ”إحداث المجلس الأعلى للقضاء، بعد ثورة 14 يناير / كانون الثاني سنة 2011، كان لأجل منع التداخل المحتمل بين السلطات، لحماية الديمقراطية الناشئة في البلاد، وللقطع مع المحاكمات السياسية التي جرت في فترة الرئيس الراحل زين العابدين بن علي.“
واعتبر الماجري، أن ”تموقع قضاة في الحكومة الحالية، يفقدهم مصداقيتهم بعد مغادرتها، وذلك عند رجوعهم إلى المحاكم للبت في القضايا التي تعرض عليهم“.
وقال الماجري: إن ”الكواليس السياسية والمنابر المحلية في البلاد، تتداول أحاديث متضاربة بشأن القضاة المعينين في الحكومة، بين من يعتقد أنهم ينالون ثقة رئيس الدولة قيس سعيد، نظرا لمعرفتهم بزوجته المنتمية إلى سلك القضاء، ومن يتمسك باتهامهم بالقرب من حركة النهضة الإسلامية“.
واعتبر الماجري، أن ”تداول العامة مثل هذه الأحاديث يقدح في استقلالية القضاة، وكان من الأفضل تجنب ذلك عبر الامتناع عن تعيين قضاة في مناصب وزارية.“



