
تجد حكومة هشام المشيشي، التي نالت ثقة البرلمان التونسي أمس الأربعاء، نفسها في مواجهة تحديات كبرى متنوعة سواء سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.
وعلى الفريق الحكومي الجديد إيجاد حلول للخروج من هذه الأزمات بأخف الأضرار قبل فوات الأوان، لكن ثمة تشكيك من خبراء في قدرة حكومة تكنوقراط غير مسنودة جيداً من أحزاب ولا منظمات قوية على الإنجاز.
وجاء تمرير الحكومة الجديدة نتيجة لتحالفات غير طبيعية، لكن التصويت لها جاء ضد الرئيس قيس سعيد الذي أكد عدم توازنه وعدم كفاءته بسبب شخصنته الأمور برفضه التعامل مع الأحزاب وإصرار محيطه بتعيين الوزراء المقربين له في هذه الحكومة.
ويرى مراقبون أن التحالف الذي يدعم الحكومة الجديدة هو تحالف مصالح لا يقوم على مصالح الدولة، بل ويضم أيضا العديد من رموز الفساد، مؤكدين أن الشعب التونسي ليس أمام حكومة قادرة على التصدي للتحديات خاصة الأزمة الاقتصادية وهي ليست حكومة ثورية أو للدفاع عن سياسات البلاد.
عملياً، الحكومة الحالية هي حكومة أمر واقع ومصالح مشتركة لتجاوز المرحلة الراهنة، ولكن ما يزيد من صعوبة المهمة أمام هذه الحكومة هو وجود الوجود الفاسدة داخل الحكومة، واستمرار الرئيس التونسي وبطانته بتصدير الشخصيات الفاسدة خدمة لمصالحه.
ويرى المراقبون أن أي تدهور للأوضاع السياسية والاقتصادية، يجب أن يتحمله بالدرجة الأولى الطبقة السياسية والرئيس قيس سعيد، والأحزاب السياسية التي شكلت هذه الحكومة.
ولعل من أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة هي أزمة اقتصادية خانقة عمقتها جائحة “كورونا”، التي تضرب العالم منذ شهور.
وقال المشيشي، في جلسة منح الثقة، إن أولوية حكومته المطلقة ستكون إيقاف نزيف المالية العامة، وتجسيد الإصلاحات الكبرى على المدى المتوسط والبعيد.
ورأى أن فريقه الحكومي قادر على تحقيق “إنجاز وعمل لحلحلة الوضع الاقتصادي والاجتماع”.
لا مجال للتعطيل
اعتبر الأمين البوعزيزي، محلل سياسي، أن “تونس تحظى اليوم برئيس حكومة مسنود سياسيا من 134 نائبا صوتوا له.. وبالتالي سيكون قادرا على تمرير قوانين تجنب البلاد عدة أزمات”.
وتابع أن التونسيين وبعد انقضاء زهاء 10 سنوات من الثورة، ينتظرون تطبيق القانون وإعادة الاعتبار للدولة والقضاء.. وأبرز أوليات ومهام الحكومة الجديدة هو تطبيق القانون وتحقيق المساواة أمامه”.
وأطاحت ثورة شعبية عام 2011 بالرئيس التونسي آنذاك، زين العابدين بن علي (1987- 2011).
وشدد على “ضرورة أن تكون الحكومة صريحة أمام الشعب، وتطلعه على كل الأوضاع.. ولعل كلمة المشيشي في جلسة منح الثقة حملت عزفا على وتر المواطنين عندما توجه بخطابه مباشرة لهم”.
واستدرك البوعزيزي قائلا: “يجب أن يكف من اختار عدم التصويت لحكومة المشيشي عن قطع الطريق أمام أشغال البرلمان، وتعطيل تمرير عدة قوانين تضمن استمرارية الدّولة”، في إشارة إلى الحزب الدستوري الحر.
ولاحظ أن “الخطابات المتوترة انتفت قليلا، وكأنه طُلب منهم الكف عن التعطيل وقطع الطريق داخل البرلمان”.
واعتبر أن “الأحزاب صارت واعية بخطورة ما يحاك لها، وبالتالي استطاعت الدّفاع عن السياسة، مهما كانت اختلافتهم وتوجهاتهم”.
تحديات مستمرة
رأى سامي براهم، باحث في معهد الدراسات والبحوث الاجتماعيّة والاقتصادية، أن التحديات المطروحة على الدولة هي نفسها منذ الثورة.
وقال براهم إن “المنظومة السياسية تتجه نحو الاستقرار، لكن المطالب التي تشترك فيها كل الأحزاب السياسيّة والمنظمات الوطنية لم تبارح مكانها”.
واعتبر أن “حكومة (المشيشي) غير سياسية، وأعضاؤها من الإداريين والتكنوقراط من الصعب أن تنجح في حلحلة أبرز الملفات الحارقة في تونس اقتصاديّا واجتماعيا”.
وتساءل براهم: “كيف سيتفاوضون مع مختلف الفئات الاقتصادية والاجتماعية، في حين أنهم لا يمثلون لا أحزاب ولا منظمات ولا هم مقربون من نقابات مهنية”.
لكنه استدرك: “هناك نوع من التعاقد الضمني بين هذه الحكومة وبين الجبهة البرلمانية التي ساندتها، وكأن المشيشي تعهد بالقيام بتعديل أو موازنة بين حكومة تكنوقراط وحكومة سياسية عبر ضخ نفس سياسي، يتم بمقتضاه إدخال الأحزاب (في الحكومة)، ولو جزئيا”.
واستطرد براهم: “يجب أن تتفهم هذه الحكومة، المسنودة سياسيا، المطالب الاجتماعية، وأن تمد يدها لهؤلاء (الشباب المحتج داخل الجهات) لمواصلة التنمية”.
واقتصاديا، اعتبر براهم أن أبرز ما ينتظر الحكومة هو إعادة إنتاج النفط المتوقف في منطقة الكامور (جنوب) والفوسفات المتعثر أيضا في الحوض المنجمي بقفصة (جنوب).
واعتبر براهم أن “تشخيص الوضع الاقتصادي والحلول موجودة، لكن ما تحتاجه تونس هو إرادة صادقة لتنفيذ الحلول دون إيثار المصلحة الشخصية على الوطنية”.
وتساءل: “لكن إلى أي مدى ستتمكن حكومة التكنوقراط برجال إدارة من حلحلة عدة ملفات والقيام بالإصلاحات الضرورية ومحاربة الفساد في الإدارة؟”.
السياسية الخارجية
فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، اعتبر البوعزيزي أنه يجب رد الاعتبار للسياسة الخارجية التونسية، وأن تدار وفق ما يراعي الأمن القومي لتونس.
وتطرق إلى الوضع في الجارة ليبيا بقوله: “يجب التعامل مع الطرف السياسي الليبي المعترف به دوليا ومن قبل الشعب الليبي، والذّي يمد يد السلام، بعيدا عن لغة الصراعات”، في إشارة إلى حكومة الوفاق الوطني.
وبدعم من دول عربية وغربية، تنازع مليشيا الجنرال الانقلابي المتقاعد، خليفة حفتر، الحكومة الليبية على الشرعية والسلطة في البلد الغني بالنفط.
واعتبر براهم أن “أداء رئاسة الجمهورية في المجال الدبلوماسي لا يطمئن.. التقاليد الدبلوماسية التونسية وقع التشويش عليها، وهناك حالة ارتباك وغموص وضبابية”.
وأردف: “هناك حالة ارتباك في تبيان حقيقة موقف الرئاسة من الوضع في ليبيا، إذ كان من المفترض أن تكون تونس أرض اتفاقيات ومبادرات.. إلا أنّ تونس غائبة تاما في الملف الليبي”.
وختم بأن “كل العالم له يد فيما يحدث في جارتنا الليبية، والكل يستشرف المستقبل، والجميع يبحث عن المصلحة في بلد فيه فرص إعمار وتنمية عديدة، إلا تونس غائبة”.



