الثورة المضادةرئيسي

دستور قيس سعيد.. جرف لتجربة الانتقال الديمقراطي في تونس

يجمع مراقبون على أن الدستور الجديد الذي يعرضه رئيس الجمهورية قيس سعيد للاستفتاء قريبا يمثل جرفا كاملا لتجربة الانتقال الديمقراطي في تونس.

وليس أدل على ذلك من إعلان الصادق بلعيد رئيس اللجنة الاستشارية التي تولت كتابة مشروع الدستور الجديد لتونس بطلب من سعيّد نفسه، التبرؤ من مسودة الدستور التي نشرت تمهيداً للاستفتاء عليها في 25 يوليو/تموز الحالي.

وكشف بلعيد أن سعيّد أدخل تغييرات جوهرية على النسخة المقدمة إليه من اللجنة الاستشارية، علما أن الرجل كان ينظر إليه خصوصاً على أنه من بين أكثر المقربين لرئيس الجمهورية.

ورغم أن “اللجنة الاستشارية من أجل بناء الجمهورية الجديدة” أنيطت بدور استشاري غير ملزم، وكان أعضاؤها يدركون أن الرئيس في النهاية هو صاحب القرار النهائي، إلا أن الصدمة كانت واضحة في تصريحاتهم بعد استبدال شبه كامل لمقترحهم، ونشر دستور جديد مختلف بصياغة لا يرقى شكّ إلى أنها من سعيّد نفسه.

ويمنح الدستور الجديد قيس سعيد سلطات واسعة، تجاوزت حتى السلطات التي تمتع بها الرئيس بن علي، بل إن مختصين يقولون إنه حتى الزعيم بورقيبة كان قد قيّد نفسه في دستور 1959.

يفكّك سعيّد مؤسسات الانتقال الديمقراطية الواحدة تلو الأخرى، من دون أن يثير ردود أفعال ذات أثر، حتى إذا وصل إلى مرحلة كتابة الدستور.

فقد ألغى كل الهيئات الدستورية، على غرار هيئة مكافحة الدستور، وهيئة مكافحة التعذيب وهيئة حماية المعطيات الخاصة وهيئة النفاذ الى المعلومات .. إلخ.

كما أغلق بعضها من دون حتى اللجوء إلى مرسوم، ولا يزال وضع موظفيها وممتلكاتها مبهما، وهي التي تحتوي على كم هائل من المعطيات الخاصة، وكثير من وقائع تاريخ تونس الراهن تعلقت تحديدا بفترة الانتقال الديمقراطي.

تصل إلى رئيس الجمهورية من حين إلى آخر، أصداء ردود الأفعال الرافضة هذا التمشّي، بما فيها سلطات الإمبراطور التي حازها، غير أنه لا يعبأ بها.

ذلك لأنه لا أثر للأفعال الرافضة سوى تردّد خطابٍ، رغم مبدئيته، ظل بلا قدرة على قلب المعادلة أو تغيير قواعد اللعبة السياسية.

في المقابل ظل سعيّد يرد دوما على خصومه إن ما يقولونه “لا يساوي حبر ما كتب به”، فالمعارضة، على مبدئيتها تلك، لم تستطع أن تحشد الشارع وتجعله رقما في حسابها.

ظلّت تحرّكات المعارضة، رغم رمزيتها القوية التي وضعت حدا لوهم الإجماع حول الرئيس، محدودة وعاجزة عن تعبئة الشارع والضغط على الرئيس حتى يتراجع.

على خلاف كل التوقعات، كان لهذه التحرّكات مفعول عكسي، حيث أوغل الرئيس في إجراءاته المنكلة بمسار الانتقال الديمقراطي، منقلبا على توجهاته ومناخه العام، حتى أن مشروع دستوره فقز على هذه العشرية ومحاها تماما، وكأن شللا قد أصاب ذاكرة الناس، فألغى من عمر هذا الانتقال الديمقراطي المنتكس عقدا بأكمله.

أثار هذا المشروع جدلا واسعا، ولا يمكن أن ننكر حالة الانقسام الحادّ لدى معارضي سعيّد ذاتهم، فبعضٌ يدعو إلى المقاطعة وهم أغلبية، وآخرون يدعون إلى المشاركة والتصويت بلا، في حين اختار الاتحاد العام التونسي للشغل، في موقف ملتبس ومفاجئ، أن يترك لقواعده حرية اتخاد القرار، في محاولة لتجنب الاصطدام بالرئاسة التي غدت مؤسّسة فائقة القوة.

وبقطع النظر عن البراهين والحجج التي يستعملها هذا الفريق أو ذاك، فإن مشروع الرئيس يترسخ على الأرض. سيظل للتونسيين دستور يرجعون إليه في نظامهم السياسي خلال نهاية شهر يونيو/ حزيران الحالي.

سيحكم رئيس الجمهورية وفق دستور سيمنحه سلطات شرعية تضع حدا للاتهامات التي تصفه بأنه “منقلب على الدستور غير معترف به”.

وهو يتخلّص من هذه التهمة التي ظلت تزعجه، على أمل أن يغدو دستور 2014 الذي ألغاه مجرّد ذكرى لا يحنّ إليها سوى من آمنوا به، رغم أنهم لم يعملوا بروحه ولم يكملوا بناءه.

يعوّل سعيد على تحسّن الظروف الاقتصادية، حتى يشتري رضى الناس، فالرخاء الاقتصادي وصفة النسيان الحقيقي، وهو يعلم أن التونسيين، وإن قبلوا دستوره، فليس رغبة منهم في دستور بديل لما سبقه، بل رغبة في استقرار سياسي وتوحيد للسلطة وتجاوز للفوضى التي خيمت على المشهد السياسي، وطلبا للرفاه الاجتماعي.

بقطع النظر عن تلك المناخات التي وصلت تونس إليها، فإن الاستفتاء المرتقب لن يخفي أي مفاجأة، وسيصوّت أغلب من سيشارك بالموافقة.

إنه استفتاء يخلو من أي تنافس حقيقي، ولن يصاحبه أي تشويق، وذلك للأسباب أعلاه، فعلاوة على ما تعلق بالنص القانوني الذي ينظم الاستفتاء ذاته، إذ لا ينصّ على النسب المشاركة الدنيا المعتمدة، أو نسب الموافقة على المقترح المعروض، خلا النص القانوني من أي اشارة إلى كل هذه المسائل الإجرائية، ما يجعل الاستفتاء هذا معلوم النتائج مسبقا.

كما أن المقاطعة لن تغير من واقع الأمر شيئا على مستوى شرعيته القانونية، وأقصى ما يمكن أن تدركه انتظارات المعارضة هو حرمان الاستفتاء والدستور من المشروعية الأخلاقية، إذ لو كانت نسبة الإقبال على الاستفتاء ضعيفة، فإنها قد تبقي على دينامية المعارضة.

وستكون هذه المعارضة التونسية ابتداء من نتائج الاستفتاء على الدستور الجديد أمام امتحان عسير في ظل المشهد السياسي، فالنخب المعارضة لسعيّد والاستفتاء والدستور معا مدعوّة إلى بلورة استراتيجيات جديدة من أجل إعادة ترتيب الأولويات وتحديد الأهداف.

على الأرض، يوطّد سعيّد أركان مشروعه السياسي، وقد تشكل له مناخا مواتيا من أجل المضي في ما كان يؤمن به سابقا.

لقد جرف تجربة الانتقال الديمقراطي، ومع ذلك سيظل النجاح السياسي المؤقت غير مرتهن إلى تمرير الاستفتاء فحسب، وإنما إلى قناعة الناس أن الدستور لم يعطهم حكاما جددا، بل حاجات وخدمات ظلوا محرومين منها.

النظام في تونس مقبل على أن يشتري القبول السياسي بسلطة مفرطة في الزعامة والتسلطية، مقابل تلك الخدمات التي قد يمنحها للناس.

ولكن يبدو أنه غير قادر على دفع التكلفة الاجتماعية والمالية لذلك. النتائج لن تحسم في المنظور القريب، يقتضي الأمر أن ننتظر خميرة التاريخ، تجنبا لوجباتٍ سريعة يبدو أنها خدعتنا سابقا، ونفخت عقولنا بأوهام تورّمت كثيرا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق