هل انقلب الرئيس قيس سعيد على الأحزاب السياسية في تونس؟
مراقبون: تونس تشهد "حكومة الفرصة الأخيرة"

استطاع الرئيس التونسي قيس سعيّد والمقربون منه خلط المشهد السياسي والمساهمة في تغييره بقوة لصالحهم، باستبعاد كل الأحزاب السياسية والكتل البرلمانية عند اختيار رئيس الحكومة الجديد هشام المشيشي وفريقه، فيما اتهمت أحزاب وقيادات برلمانية سعيد بـ”الانقلاب على البرلمان (مجلس النواب) والشرعية الانتخابية”.
ويرى مراقبون أن السيناريو الأقوى لمستقبل هذه الحكومة أن تحصل على ثقة البرلمان كي يتجنب سيناريو حلّه، والدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة، الأمر الذي يضع هذه الحكومة أمام مسؤوليات كبيرة تتلخص بتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي والإقلاع الاقتصادي في البلاد.
وشنّ نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي حملة إعلامية عنيفة ضد سعيّد والمشيشي بسبب إصرارهما على استبعاد مرشحي قيادات الأحزاب والكتل البرلمانية من التشكيلة الجديدة، ومسايرة التقييمات السائدة عن اتهام قيادات بعض الأحزاب بالفساد ونقص الخبرة والكفاءة.
توقعات بالفشل
وتوقّع الكاتب عبد اللطيف العلوي، النائب عن «ائتلاف الكرامة»، الفشل لهذه التشكيلة الحكومية في حال فوزها بالثقة «مؤقتاً». في حين وصف زعيم حزب «الشعب» القومي زهير المغزاوي التشكيلة التي أقصت الأحزاب بـ«حكومة الخوف»، قاصداً أنها الحكومة التي سيصادق عليها النواب «خوفاً من حل البرلمان وإحداث فراغ سياسي كبير على مستوى السلطتين التشريعية والتنفيذية».
واتهم بعض الساسة، بينهم سيد الفرجاني، عضو البرلمان عن «حركة النهضة»، الرئيس قيس سعيّد ومستشاريه في قصر قرطاج بتعيين مزيد من زملائهم السابقين في الجامعة وفي كليات الحقوق على رأس عدة وزارات، فكانت الحصيلة الأولية «انقلاباً على البرلمان وعلى الحياة الحزبية، وإسناد نحو ثلث الحقائب الحكومية إلى خبراء قانون وشخصيات، بعضهم كانوا من بين طلبة سعيّد وزملائه في أسرة التدريس والبحث في الجامعة».
غير أن مقرّبين من الرئيس قيس سعيّد ومناصرين لتشكيلة حكومة هشام المشيشي، رفضوا هذه الاتهامات، ونوّهوا بكفاءة جلّ أعضائها وبـ«حرص رئيس الجمهورية على احترام نص الدستور، في الوقت الذي أراد فيه تدارك الثغرات التي برزت العام الماضي بسبب الصراعات الهامشية بين الأحزاب داخل البرلمان والحكومة»، على حد تعبير نوفل سعيّد المحامي والخبير الدولي في القانون الدستوري وشقيق الرئيس التونسي.
أيضاً، أثنى أمين محفوظ، أستاذ القانون الدستوري، على اختيار المشيشي غالبية الوزراء من بين المستقلين عن كل الأحزاب، وبممارسة رئيس الجمهورية حقه في اختيار وزيري الخارجية والدفاع، وفي إعطاء رأي بكامل التشكيلة، قبل توجيه مراسلته إلى البرلمان للمصادقة عليها.
ورفض الأميرال المتقاعد محمد المؤدب، المدير العام السابق للأمن العسكري وللقمارق (الجمرك)، أن يعني تعيين «كفاءات مستقلة في الحكومة الجديدة ترذيلاً للأحزاب وللانتخابات».
وتابع المؤدب أن البلاد في حاجة فورية إلى «هدنة سياسية وأمنية واجتماعية، لإعادة هيبة الدولة، وفرض تطبيق القانون في كامل البلاد، ومنع تعطيل إنتاج (الفوسفاط) والمحروقات والسير العادي لمؤسسات الإنتاج والتصدير والخدمات العمومية».
حكومة الفرصة الأخيرة
من جهة ثانية، رأى عدد من المراقبين والخبراء أن الحكومة الجديدة قد تكون «حكومة الفرصة الأخيرة»، لأن رئيسها وعدداً كبيراً من أعضائها من خريجي كليات القانون والمدرسة العليا للإدارة، ولديهم خبرة في الوظيفة العمومية.
وحول هذه النقطة رحب الأكاديمي والدبلوماسي سعيد بحيرة باختيار «شخصيات لها وزنها ورصيدها في الإدارة والبحث العلمي والمؤسسات الاقتصادية الوطنية والدولية»، بينهم فتحي السلاوتي الذي أُسندت له حقيبة التربية، وألفة بن عودة التي أسندت إليها حقيبة التعليم العالي، ومعزّ شقشوق الذي أُسندت إليه حقيبة النقل واللوجيستيات، والحبيب عمار الذي أسندت إليه حقيبة السياحة.
كذلك، رحب الكاتب والإعلامي أحمد القابسي بإرجاع الزعيم النقابي محمد الطرابلسي إلى حقيبة الشؤون الاجتماعية «التي سيّرها بنجاح طوال 3 سنوات ونصف السنة»، واستفاد من رصيده النقابي ومن علاقاته مع أعضاء المركزية النقابية العمالية، التي كان عضواً فيها قبل «ثورة 2011»، ومع قيادات نقابات رجال الأعمال الصناعيين والتجار والفلاحين.
ولقد كشف قرار إرجاع النقابي الطرابلسي إلى الحكومة – التي غادرها في مارس (آذار) الماضي عند تشكيل حكومة إلياس الفخفاخ – رهاناً جديداً من سعيّد والمشيشي على «التحالف بين بين المركزية النقابية العمالية ورئيس الجمهورية والمقرّبين منه في قصري قرطاج والقصبة، رداً على الانتقادات التي وجهها إليه قياديون في (النهضة) والبرلمان».



