مراقبون: “الدستوري الحر” دعم الحكومة الجديدة فقط لأجل الإطاحة بـ”النهضة”
بتخطيط ودعم إماراتي

يرى مراقبون أن معظم الاحزاب التونسية تقريباً، باستثناء الحزب “الدستوري الحر” المدعوم من دولة الإمارات العربية، لم تتحمس لحكومة هشام المشيشي التي رأت فيها تحدياً لها وتصغيراً من شأنها،
ويؤكد المراقبون أن الحزب الوحيد الذي أعلن بوضوح أنه سيقف إلى جانب الحكومة هو “الدستوري الحر”، الذي لم يفعل ذلك حباً في المشيشي أو تضامناً مبدئياً مع رئيس الجمهورية، وإنما بغرض العمل على عزل حركة “النهضة” والتمهيد لمزيد من تهميشها، والسعي في الأخير إلى حلها بحجة كونها “حركة إرهابية”.
ويقول الكاتب التونسي صلاح الدين الجورشي،إأن الحزب الدستوري الحر، يسعى جاهداً من خلال دعمه لحكومة المشيشي، عزل حركة النهضة التي يتزعمها راشد الغنوشي، تنفيذاً لأجندة خارجية بات الشارع التونسي يعرف مصدرها- في إشارة إلى دولة الإمارات العربية.
ورأى الجورشي أن رئاسة الجمهورية تخطط من خلال تشكيل هذه الحكومة، لإسقاطها تمهيداً للانتقال إلى حل البرلمان والذهاب إلى انتخابات مبكرة، وأضاف: “بدا واضحاً أن المشيشي ليس المسؤول الوحيد عن اختيار عناصر الحكومة، إذ بدت لمسات القصر الرئاسي واضحة جداً، مما سمح لأحزاب كثيرة أن تسارع للقول إنها (حكومة الرئيس بامتياز)”.
وعلى الرغم من الاعتراضات على عدد من الوزراء مثل وزير الداخلية توفيق شرف الدين، فإن المشيشي التزم بوعده، وشكّل حكومة تكنوقراط.
حكومة أشباح
أغلبية الوزراء الجدد مجهولون في الساحة السياسية، وكثير منهم يتعرف عليهم التونسيون لأول مرة. البعض استعمل كلمة “حكومة أشباح” للتقليل من أهمية أعضائها، لكن عدم معرفة الجمهور الواسع بالوزراء المعينين ليس عاملاً كافياً للحكم عليهم قبل اختبارهم.
حزب “التيار الديمقراطي” الذي اقترب كثيراً من رئيس الجمهورية قيس سعيّد، لم يتردد لحظة في أن يؤكد عبر الرجل الثاني في الحزب غازي الشواشي أن “الذهاب إلى انتخابات مبكرة أفضل من المغامرة بحكومة دون هوية”، وأعلن أن حزبه لن يصوّت للحكومة.
كما اعتبر القيادي في حركة “النهضة” سمير ديلو أن التونسيين يجدون أنفسهم حالياً مخيّرين “بين السيئ والأسوأ”. يقصد بذلك القبول بحكومة بلا سند سياسي أو الذهاب إلى انتخابات سابقة لأوانها.
حتى حركة “الشعب” القريبة من سعيّد وصاحبة الدعوة إلى ما عُرف بـ”حكومة الرئيس” أكدت من جهتها أن الديمقراطية ترتكز على الأحزاب ولا يمكن الاستغناء عنها وإلغاؤها.
انتقادات واعتراضات
على الرغم من كل هذه الانتقادات والاعتراضات التي صدرت بعد الإعلان عن قائمة الفريق الحكومي الجديد، يرجح أن تنال حكومة المشيشي الثقة. لكن ذلك لا يعني الدفاع عنها في ما بعد، إذ ستكون الحكومة عرضة للمراقبة الشديدة وعدم التساهل معها خلال الأشهر المقبلة. عندها سيعي المشيشي أهمية الأحزاب ودورها وقدرتها على مضايقته أو تيسير قيامه بمهمته.
لن تكون هناك أطراف في الحكم وأخرى في المعارضة لأن كل الأحزاب قد سُحب من تحتها البساط ووجدت نفسها خارج مؤسسات السلطة التنفيذية.
وقد يتأخر الزمن كثيراً قبل أن تدرك الأحزاب بأن جميعها هي التي سيتم التضحية بها، وأن سعيّد يستفيد حالياً من الصراعات التي تشق هذه الأحزاب من أجل مزيد من إضعافها وتهميشها. لكن النتيجة النهائية لهذا المسار ستكون خطيرة جداً على مستقبل العملية الديمقراطية في البلاد.
التحدي الكبير سيبدأ بعد تمرير حكومة المشيشي، إذ إن المخاطر الاقتصادية والاجتماعية والصحية تتعاظم يوماً بعد يوم، ولن تستطيع الحكومة أن تواجه ذلك بمفردها.
وكان رئيس حركة “النهضة” راشد الغنوشي أعلن رفضه انفراد الرئيس بتأويل الدستور، ومن أجل وضع حد لذلك وضعت “النهضة” في مقدمة أولوياتها بعد استئناف الدورة البرلمانية، تشكيل محكمة دستورية في أقرب الآجال، وهي مستعدة من أجل ذلك لأن تقدّم تنازلات واسعة لمنافسيها وخصومها حتى يتم تذليل مختلف الصعوبات التي حالت دون إنشاء هذه المحكمة على الرغم من التنصيص على ضرورة قيامها بعد سنة فقط من المصادقة على دستور 2014.
المهم الآن من وجهة نظر “النهضة” هو توحيد الجهود من أجل منع سعيّد من استعمال فصول الدستور لمحاربة الأحزاب وفي مقدمتها “النهضة”، وأن يواصل من خلال ذلك تحقيق ما تسميه أطراف عديدة “الانقلاب الناعم” لتحويل النظام البرلماني المعدل الحالي إلى نظام رئاسي من دون الاضطرار للمرور عبر البرلمان.



