أخبار تونسرئيسي
أخر الأخبار

دراسة: الإقصاء الاجتماعي في تونس دفع الشباب إلى الحركات السلفية

في أحدث دراسة ميدانية عن الشباب السلفي في تونس، أبرز الباحث ماجد القروي، أستاذ علم الاجتماع في كلية الآداب بصفاقس، العلاقة المتينة بين الإقصاء الاجتماعي وانخراط الشباب التونسي في الحركة السلفية.

وبرزت الحركة السلفية في تونس، في منطقة سيدي علي بن عون (وسط غرب) وكانت منذ البدء، حركة معادية للمجتمع، تتبنى الدفاع عن “الهوية الثقافية” مثلما تفهمها، أي بما هي رفضٌ للديمقراطية وأسس الدولة الحديثة.

وعزت الدراسة تزايد عدد الشباب السلفيين إلى الإقصاء الاجتماعي، إذ أن الظروف المعيشية للشباب في سيدي علي بن عون تجعلهم يبحثون عن بدائل توفر لهم ما فشلت الدولة ومؤسساتها في تحقيقه، والمتمثل في دخل ثابت ورأس مال صغير، من شأنه أن يرفع من موقعهم في الهرم الاجتماعي.

والسلفية هي “حركة اجتماعية تنقسم إلى فرعين رئيسيين، الأول يتبنى الجهاد وسيلة للتغيير السياسي والاجتماعي والثقافي الشامل.

وينعكس هذا في كلمات أحد أبرز الجهاديين السلفيين، أبو بكر ناجي، الذي قال “معركتنا تدور حول التوحيد ضد الكفر والمعتقد ضد الشرك، وليست معركة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية”.

أما الفرع الثاني، السلفية العلمية، والمعروف أيضا باسم المدخلية (نسبة إلى السعودي ربيع المدخلي) فيشترك في المصادر والمرجعية مع التيار الأول، لكنه يختلف عنه في تفضيله الدعوة والإصلاح وسيلة لتحقيق التغيير المطلوب.

مئة شاب سلفي

تفترض الدراسة أن الاستبعاد الاجتماعي هو العامل الرئيسي الذي يمكن أن يفسر لماذا يصبح الشباب في هذه المدينة سلفيين في التوجهات.

ويستند هذا إلى فهم الاستبعاد الاجتماعي بوصفه عاملا موضوعيا يتجاوز إرادة الأفراد. “إنه عكس التكامل أو الاستيعاب وهو مظهر من مظاهر طبيعة البنية المجتمعية” على ما يقول القروي.

وهو يوضح أن الإقصاء ليس مسألة شخصية، وإنما هو نتاج هياكل اجتماعية محددة، مثلما أظهرت الدراسة، التي اعتمدت على عينة مؤلفة من مئة شاب سلفي.

غير أن الظاهرة السلفية أوسع من العينة التي اشتغل عليها الباحث القروي، إذ أنها استقوت بعد ثورة 14 شباط/فبراير 2011 بسن عفو عام على السجناء السياسيين، وتم إخلاء سبيل ألف سلفي بموجب ذلك القرار، بالرغم من كونهم دخلوا السجن لتورطهم في عمليات عنف، في إطار تنظيم “أنصار الشريعة”.

صراع مفتوح

وسرعان ما بدأ التيار يتحدى الدولة ويخرق القوانين، إلى أن تدحرجت العلاقة نحو الصراع المفتوح، مع هجوم عناصر التنظيم على مكاتب السفارة والمدرسة الأمريكيتين في أيلول/سبتمبر 2012.

وجرت جولة ثانية من اختبار القوة، مع قرار “أنصار الشريعة” إقامة مؤتمرها في مدينة القيروان، بحضور آلاف من أعضائها وأنصارها، في استعراض كبير للقوة.

وانتهى اختبار القوة بتراجع التنظيم، فيما بادرت الدولة إلى حشد قوى سياسية ومراجع فكرية متعددة لخوض معركة ثقافية ودينية مع السلفيين المتشددين، بالإضافة لإطلاق حملة ملاحقات واسعة لعناصر التيار، وحظر ما يُعرف بـ”الخيام السلفية” في مدن عدة.

أكثر من ذلك، عزلت وزارة الشؤون الدينية عددا كبيرا من الأئمة السلفيين، وعينت في مكانهم أئمة معتدلين.

ودل إصرار وزارة الداخلية، بأجهزتها الأمنية المختلفة، على المضي قدما في ملاحقة المتشددين السلفيين، على انعطاف في سياسة الحكم تجاه التيار، وخاصة المسلحين من عناصره، في أعقاب مغادرة الوزير علي العريض، القيادي البارز في حركة “النهضة” وزارة الداخلية، العام 2012 وكان متهما بمحاباة تلك الجماعات وغض الطرف عن تناميها. وعُرفت عنه قولته الشهيرة عن “أنصار الشريعة”: “انتظرناهم من الأمام فأتوا من الخلف” (خلف السفارة).

هجوم على السفارة

ويستدل منتقدو العريض الذي تولى رئاسة الحكومة، بأن قوات الشرطة لم تعتقل زعيم التيار السلفي سيف الله بن حسين، على رغم محاصرته في مسجد “الفتح” في وسط العاصمة تونس، في أعقاب هجوم أنصاره على مكاتب السفارة والمدرسة الأميركيتين.

وظل بن حسين، المرتبط بتنظيم “القاعدة” والمقرب من العضو الأردني البارز في التنظيم “أبو قتادة” متواريا عن الأنظار، مُوجها رسائل تحد للحكومة التي لم تستطع القبض عليه، إلى أن استقر في ليبيا. وقضت محكمة تونسية غيابيا، بسجنه مدى الحياة في العام 2016.

وأرسلت الجماعة مئات من أعضائها إلى سوريا للقتال إلى جانب السلفيين، عبر ليبيا وتركيا، بالتنسيق مع جماعات سلفية في ليبيا.

من سيدي علي بن عون، إلى بؤر جديدة، أبرزُها جبال الشعانبي وسمامة وورغة، في غرب البلد، ومنها إلى سوريا، حيث اندهش المتابعون للحرب هناك من العدد المتزايد لـ”المتطوعين” التونسيين، الذين زاد عددهم عن ثلاثة آلاف مقاتل.

واستأثر موضوع تسفير المقاتلين إلى سوريا باهتمام النواب في البرلمان، وبات يحظى بجدل واسع وعنيف بين القوى السياسية، خاصة بعد تشكيل لجنة تحقيق برلمانية لمعرفة من يقف وراء شبكات التسفير.

وقدر تقرير أصدرته مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في العام الماضي أعداد التونسيين في بُؤر التوتر بما بين 5300 و5800 عنصر موزعين بين ليبيا وسوريا والعراق ومالي واليمن.

وأفاد التقرير أن نحو 800 منهم لقوا حتفهم، فيما عاد أكثر من 650.

غير أن وزير الداخلية الأسبق هادي المجدوب نفى هذه الإحصاءات، واعتبرها “بعيدة عن الواقع” من دون أن يُقدم أرقاما بديلة.

أما “معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط” فقدر عدد المقاتلين التونسيين في سوريا بـ2800 عنصر وفي ليبيا بـ1500 وعدد العائدين بأكثر من 600 عنصر. بالمقابل مُنع 3800 شاب من مغادرة البلد للاشتباه بنيتهم الالتحاق بجماعات إرهابية.

استبعاد اجتماعي

وبالعودة إلى دراسة الباحث القروي يتضح أن الشباب الذين ينضمون إلى الجماعات السلفية المتشددة، هم مدفوعون عادة، بما يُسميه الباحث “الاستبعاد الاجتماعي” أوالهشاشة في العمل وتذبذب الدخل الشهري للشاب.

كما أظهر التحقيق الميداني مع مئة شاب أن 44 في المئة منهم لديهم مهنة هشة تجبرهم على العيش على هامش المجتمع، الأمر الذي يؤجج نفورهم من الدولة ومؤسساتها، ويعمق شاعرهم بالظلم، بحسب القروي.

ويُرجح بعض الخبراء أن غالبية السلفيين التونسيين غادروا العراق وسوريا إلى مالي حيث قُتل سيف الله بن حسين، على أيدي قوات فرنسية في محيط مدينة تومبوكتو العام 2019.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق