
يشهد العديد من وسائل الإعلام الخاصة والعامة، في تونس، أزمة مالية خانقة لدرجة باتت تُهدِّد بتوقف نشاطها بشكل جزئي أو كلي. ولم يعد خبر إغلاق فضائية هنا أو تقليص نشاطها، أو توقف صحيفة ما عن الصدور، أمرًا يثير الرأي العام مع تكرار هذه الأخبار.
وقد طالت الأزمة المالية العديدَ من وسائل الإعلام سواء كانت صحفًا أو فضائيات؛ ما اضطر بعضها لتسريح العديد من العاملين فيها وتقليص خريطتها البرامجية، بينما تعاني أخرى من تأخُّرٍ وعَجْزٍ عن دفع رواتب وأجور الموظفين، في حين أُجبرت مؤسسات على إغلاق أبوابها والتوقف عن العمل نهائيًّا.
ورغم الطابع المالي للأزمة التي يشهدها سوق الإعلام الخاص التونسي فإنها ليست سوى رأس جبل الجليد الذي يخفي تحته جوانب أخرى للمأزق الذي تمر به صناعة الإعلام في تونس حاليًا، وتطرح هذه الأزمة العديد من الأسئلة حول أسبابها الحقيقية وما إذا كانت تعود للتعثر المالي، أم أنها أزمة متعددة الأبعاد؟ وهل يمكن النظر إلى هذه الأزمة بمعزل عن المناخ السياسي العام الحالي في تونس ولاسيما في ظل عدم الاستقرار السياسي؟
وقد نقل نقيب الصحافيين التونسيين ناجي البغوري، كل هذه التخوفات الى رئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي خلا لقاء ضم مممثلو القطاع الإعلامي.
وأشار البغوري بعد اللقاء إلى أنّ المشيشي حريص على احترام حرية الصحافة التي تعتبرها النقابة خطاً أحمر لا يمكن المساس به ومكتسباً مهماً على أي حكومة دعمه وعدم التراجع عنه. كما أن الحكومة الجديدة مطالبة بفتح الملفات الاجتماعية في هذا القطاع، خاصة مشكلة البطالة التي يعاني منها الكثير من الصحافيين والبحث عن حلول ممكنة لها.
هذه الصعوبات أكد عليها أيضاً رئيس جامعة مديري الصحف التونسية، الطيب الزهار، بعد لقائه برئيس الحكومة المكلف، تحديداً لجهة أنّ قطاع الصحافة المكتوبة يعتبر من أكبر المتضررين من أزمة كوفيد-19 بعد توقف الصحف عن الصدور لمدة تزيد عن الشهرين، وهو ما عمّق من أزمتها المالية التي من المنتظر أن تزيد حدتها بعد قرار شركة الخطوط التونسية إيقاف اقتناء الصحف التونسية التي كانت تضعها في طائراتها بسبب الأزمة المالية التي تشهدها هذه المؤسسة أيضاً.
ويعتبر القرار ضربةً قاصمة لقطاع الصحافة الورقية، خصوصاً أن شركة الخطوط التونسية تعتبر من أكبر المشترين الرسميين للصحف في تونس. لكن رغم ذلك، أبدى الزهار تفاؤله بالتعهدات التي قدمها رئيس الحكومة المكلف، ومنها التزامه بتطبيق حزمة الإجراءات المالية التي أعلنتها حكومة إلياس الفخفاخ لمساعدة القطاع الإعلامي على التخفيف من تبعات تفشي كورونا والمتمثلة في مجموعة من الإجراءات بكلفة مالية تقدر بخمسة ملايين دينار تونسي (حوالي 1.7 مليون دولار أميركي)، ستساعد هذه المؤسسات الإعلامية على التخفيف من عجزها المالي الذي تعاني منه والذي أدى إلى عدم إيفائها بالتزاماتها المالية تجاه العاملين فيها.
المشيشي كان له لقاء أيضاً مع رئيس الغرفة النقابية لأصحاب التلفزات الخاصة، الأسعد خذر، ورئيس النقابة الوطنية للإذاعات الخاصة، محمد كمال ربانة، وتمّ فيه التطرق إلى وضع المحطات الإذاعية والقنوات التلفزيونية الخاصة التي تشهد هي الأخرى صعوبات مالية وتعاني من تراكم الديون نتيجة الأزمة التي يمر بها القطاع، وذلك نتيجة تراجع سوق الإعلانات التجارية وارتفاع مصاريف البث والديون المتراكمة على هذه المؤسسات لدى الصناديق الاجتماعية ولدى الديوان الوطني للإرسال الإذاعي والتلفزي الذي يمكّن هذه المؤسسات من شارة البث. وقد أكد كمال ربانة أن رئيس الحكومة المكلف أبدى تفهمه للوضع الصعب الذي تعيشه هذه المؤسسات الإعلامية وضرورة التفكير في حلول عملية لمساعدتها على الخروج من أزمتها، ومنها جدولة ديونها للتخفيف من أعبائها المالية.
ستجد الحكومة التونسية المقبلة نفسها، مثل الحكومات السابقة، أمام ملف شائك ومعقد يعرف أزمة مالية كبرى في الوقت الذي عجزت فيه كل الحكومات السابقة عن التوصل إلى حلول عملية ناجزة وفاعلة لهذه الأزمة. فهل ستكون لحكومة هشام المشيشي، إذا نالت مصادقة البرلمان التونسي على منحها الثقة، العصا السحرية التي تمكنها من حلحلة هذا الملف المعقد؟



