أخبار تونسبودكاستتونس ميديارئيسيسياسي

المشهد التونسي من النافذة الجزائرية

زرت تونس مثل الكثير من الجزائريين، عدة مرات للسياحة والعمل في الغالب، لحضور ندوات أو فعاليات فكرية، مرتبطة بعملي كباحث وأستاذ جامعي. مهنة لا تسمح لصاحبها دائما «بالتفرهيد» عكس ما يعتقده الكثير من المحظوظين، الذين يتساوى لديهم السفر بالمتعة.
الوضع الصحي المتميز هذه السنة، لم يسمح لي بزيارة تونس منذ انتشار وباء كورونا ككل الجزائريين، بدون أن يمنعني هذا من الاهتمام بتفاصيل الوضع في هذا البلد الشقيق، وقضاياه السياسية المطروحة، التي تهمني كمواطن جزائري وكباحث مهتم بقضايا التغيير السياسي.
وهو ما جعلني أقرر الكتابة هذا الأسبوع ـ رغم أهمية ما يحصل في بلدي – عن الأوضاع السياسية في تونس من نافذتي الجزائرية.. كتابة لن تكون متحفظة، كما هو حال كتابة إخواننا التوانسة عن الأوضاع في الجزائر، التي يتفق فيها الجميع، سلطة ومعارضة على النأي بأنفسهم عن الكلام في الشأن الجزائري الداخلي. موقف ليس جديدا في حقيقة الأمر، فقد كان حاضرا منذ فترة حكم الرئيس بورقيبة الطويلة، واستمر مع بن علي إلى غاية ما بعد الثورة، التي لم يُستغل فيها جو الحرية الذي تتمتع به للخوض في قضايا كثيرة للجزائر، لا من بعيد ولا من قريب، كثقافة سياسية مشتركة بين النخب، مترسخة شعبيا في هذا البلد، الذي كان قريبا للجزائر سياسيا وعاطفيا، أكثر من أي بلد آخر.
عكسي أنا تماما الذي قررت الخوض في أوضاع تونس الداخلية، من نافذتي الجزائرية، لأن ما يحصل في تونس يهمني كذلك كجزائري، ولأنني أريد أن تنجح هذه التجربة الرائدة في التغيير، التي تعيشها تونس، رغم كل الصعوبات التي تعرفها، تجربة لم تستفد من التأييد والمساندة الدوليين، اللذين كان يمكن أن تحصل عليهما في ظرف زمني أسبق، كانت فيه التيارات ما فوق الوطنية، كالماركسية والفكر القومي حاضرة بقوة على المستوى الدولي وبين النخب.
الرؤية من نافذتي الجزائرية التي تجعلني متفائلا إزاء الأوضاع في تونس، ربما أكثر من التوانسة أنفسهم، هم الذين لم يعيشوا ما عشناه من صعوبات، عندما قررنا أن نغير نظامنا السياسي، في وضع اقتصادي واجتماعي صعب، كما حصل في التسعينيات، قُبيل الدخول في حرب أهلية مدمرة، ما جعل الجزائري حريصا على رؤية ما يميز التجربة التونسية في التغيير، على غرار سلميتها وطابعها التوافقي الذي حاول تقليده في حراكه الشعبي.

وضع اقتصادي واجتماعي يكون هو الآخر، نقطة ضعف في الحالة التونسية بعد الثورة، ما زالت تتخبط فيه، عادة ما يكون موضوع نقاشي الأساسي مع أبناء تونس من الفئات الشعبية، الذين يبدون تذمرا واضحا من أوضاع ما بعد الثورة، التي لم تؤدِ، بالنسبة لهم، إلى تحسن في الوضع الاقتصادي، ما يدفعهم للمقارنة مع فترة بن علي، حسب شهادات الكثير من سائقي التاكسي ورواد الأسواق الشعبية، الذين عادة ما أدخل معهم في مقارنات مع الوضع الاقتصادي في الجزائر. وضع اقتصادي زاده استفحالا الشعور بزيارة منسوب الفساد، الذي لم تقضِ عليه الثورة، بل زاد أكثر، كما يخبرني صديقي سائق التاكسي التونسي، الذي يقيس وضعه الاقتصادي بمدى تدفق السياح على تونس، قلّ بشكل يمكن التأكد منه بالعين المجردة في مطار قرطاج، عند الدخول إلى تونس جوا، وليس برا على الحدود الجزائرية. تدهور في الوضع الاقتصادي مرتبط بقضايا هيكلية، يعاني منها الاقتصاد التونسي، لن تجد حلولا لها على المدى القصير، وحتى المتوسط، ما يعني أنها ستبقى مؤثرة سياسيا لتكوّن أرضية خصبة لمحاولات الثورة المضادة، التي تجد أكثر من سند لها داخليا وعلى المستوى الدولي. وهو ما يؤدي بي لفتح النافذة الجزائرية أكثر، لرؤية ما يحصل على مستوى النخب السياسية التونسية، التي لن تستطيع بناء نموذج سياسي في تونس، قريب من الحالة الإيطالية القريبة، تتغير فيه الحكومة كل شهر وتعاد فيه الانتخابات التشريعية كل ستة أشهر، بدون أن يتوقف البلد. فلا نظام بن علي ولا نظام بورقيبة قبله سمحا بإنتاج نخبة سياسية متنوعة وسميكة سوسيولوجيا، وضعها منطق التاريخ، رغم ذلك على رأس قيادة التغيير السياسي، في بلد ما زالت فيه حاضرة بقوة التشنجات الأيديولوجية ـ وحتى تلك المرتبطة بالشروخ اللغوية – لفترة الثمانينيات، وحتى السبعينيات، التي فرّقت التوانسة، ولم تسمح لهم بالتعرف على بعضهم بعضا. نخب سياسية لم تتمكن من بناء أطر حزبية قوية، في وقت قياسي، كان يمكن أن تكون السند القوى للنظام البرلماني، الذي اختارته هذه النخب نفسها، وهي ترفض العودة إلى ديكتاتورية الفرد. ضعف النخبة يبرز بشكل جلي على مستوى أداء المؤسسات، التي يفترض فيها قيادة قاطرة التغيير مثل، البرلمان والحكومة، في وقت زاد فيه بروز التكنوقراط، واختلط المال بالسياسة بين النخب الصاعدة، التي عاد البعض منها من دول المهجر، بجنسية مزدوجة لملء الفراغ، الذي أحدثه غياب النخب الحزبية، التي فشلت في إنتاجها التجربة السياسية المحلية، بالنوع وحتى الكم المطلوب.
كان الوضع يمكن أن يمرّ بأخف الأضرار، لو تمكنت التجربة التونسية من بناء مؤسسات سياسية قوية، تعوض هذا النقص على مستوى السوسيولوجي المرتبط بالنخب. كما هو حال دول كثيرة لا يؤثر فيها مزدوج الجنسية، ولا صاحب المال المهتم بالشأن السياسي مثل، دول الضفة الشمالية للمتوسط، التي أخذت وقتا أطول في بناء مؤسساتها السياسية. وضع تستغله بقوة مشاريع الثورة المضادة الحاضرة في تونس، كما تبينه الأحداث بشكل يومي، لنكون بذلك أمام نقطة الضعف الرابعة لهذه التجربة الرائدة. من نافذتي الجزائرية المهمة في هذه الحالة الدولية بالذات، وانا أتكلم عن تونس، أجزم بأن أكبر خطر ـ قد يكون مؤقتا ـ يهدد التجربة التونسية، هو إمكانيات توظيف هذه المتغيرات المتعلقة بالوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب، وتشنج جزء من النخب، من قبل قوى سياسية إقليمية، للانقضاض على كل التجربة التونسية، بغثها وسمينها. مشروع سعت له قوى سياسية عربية على الدوام ـ الإمارات بالدرجة الأولى، والسعودية – للعودة بكل المنطقة العربية إلى منطق ما قبل التغيير، الذي تمثل تونس تجربته الناجحة الوحيدة حتى الآن، تعتقد هذه القوى الممثلة للثورة المضادة، أنه يمكن عزلها والتأثير فيها، باستغلال الظرف الإقليمي المضطرب، ما يحتم على كل المؤمنين بالتغيير من داخل تونس وخارجها الالتفاف حول هذه الحالة، حتى تتعافى من نقاط ضعفها، وتنظر نحو أفق أحسن، لحين تتغير فيه الاتجاهات السياسية الثقيلة في المنطقة، بعودة مصادر القوة إلى ثورة تونس ونجاح حراك الجزائر وتعافي ليبيا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق